تتجه الأنظار إلى الزيارة الرسمية التي يبدأها رئيس الحكومة نواف سلام اليوم إلى العاصمة السورية دمشق، حيث يلتقي الرئيس أحمد الشرع على رأس وفد وزاري يضم أيضا عددا من رجال الأعمال.
وستتناول المباحثات ملفات أمنية وسياسية واقتصادية وتجارية، من دون أن تشهد توقيع اتفاقيات مشتركة في هذه المرحلة لعدم جهوزيتها بعد.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل انطلاق ورشة إعادة إعمار سوريا، وما قد تفتحه من فرص أمام لبنان للخروج من أزمته الاقتصادية، وسط تساؤلات حول إمكان تطوير العلاقات بين البلدين على أسس جديدة قائمة على الندية واحترام السيادة المتبادلة.
تعليقا على هذه الزيارة، اعتبر الخبير الاقتصادي المهندس إدمون شماس أن التنسيق بين البلدين أمر طبيعي بحكم الجغرافيا والعلاقات التاريخية، مشيرا إلى أنه لا يمكن فصل الملفات الأمنية والسياسية عن الملف الاقتصادي، لأن هذه العناوين مترابطة بشكل مباشر.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الانفتاح السياسي الذي تشهده سوريا تجاه الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة منذ استلام الرئيس أحمد الشرع السلطة، إلى جانب رفع العقوبات عنها، يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة قد تتجاوز مئات مليارات الدولارات خلال السنوات الـ 5 إلى الـ 10 المقبلة، مشيرا إلى أن سوريا بحاجة إلى دول صديقة وقريبة ترتبط معها بعلاقات حسن جوار وحدود مشتركة. واعتبر أن لبنان يشكل البوابة الطبيعية لسوريا نحو الخارج، تماما كما تشكل سوريا معبرا حيويا للبنان نحو العمق العربي.
ورأى شماس أن تلقف الرئيس نواف سلام لهذه الفرصة يشكل خطوة إيجابية، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها لبنان نتيجة الحروب والتوترات التي يعيشها منذ سنوات، لافتا إلى أن الاقتصاد اللبناني قادر على لعب دور أساسي في عملية إعادة الإعمار السورية، سواء عبر الصناعات اللبنانية أو من خلال الكفاءات البشرية والهندسية والشركات المتخصصة التي يمتلكها لبنان. وقال إن سوريا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى مصانع إسمنت، وشركات هندسية، وخبرات تقنية، ويد عاملة متخصصة، وهي مجالات يستطيع لبنان أن يقدم فيها مساهمة فعالة.
كما شدد على أهمية إزالة العقبات التي ظهرت خلال الفترة الماضية في ما يتعلق بحركة الشحن وعبور البضائع، معتبرا أن تطوير العلاقات الثنائية وتسهيل حركة الترانزيت سيعود بالفائدة على الطرفين.
واعتبر شماس أن "سوريا الجديدة"، لا تحمل أي مطامع تجاه لبنان، مستشهدا بمواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة التي أكد فيها أن البلدين يتقاسمان مصيرا واحدا وأن شعبيهما عانيا طويلا من الحروب ويستحقان الاستقرار.
ورأى أن الدولة اللبنانية لم تبادر حتى الآن إلى تطوير العلاقات مع سوريا بالمستوى المطلوب، مشددا على أن زيارة الرئيس سلام يجب أن تكون بداية لمسار طويل من التنسيق السياسي والاقتصادي، وأن تتبعها زيارات متبادلة وخطط مشتركة تحدد كيفية مساهمة لبنان في عملية إعادة الإعمار والاستفادة منها في الوقت نفسه.
وفي ملف الطاقة والكهرباء، أوضح شماس أن سوريا لا تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل بنيتها التحتية بعد سنوات الحرب الطويلة، إلا أن امتلاكها للغاز الطبيعي يمنحها أفضلية على مستوى كلفة إنتاج الكهرباء مقارنة بلبنان، متحدثا عن أهمية وضع استراتيجية مشتركة بين البلدين في مجالات النفط والغاز والطاقة، بما يسمح بتكامل المصالح وتخفيف الأعباء المالية على الجانبين، بدلا من قيام كل دولة بوضع خطط منفصلة ومكلفة.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء الثقة بين البلدين وإطلاق رؤية اقتصادية مشتركة تقوم على التكامل لا المنافسة، معتبرا أن لبنان أمام فرصة حقيقية لاستعادة دوره الاقتصادي والاستفادة من ورشة إعادة إعمار سوريا إذا أحسن إدارة علاقته معها ووضع خطة واضحة للتعاون المستقبلي.
وعليه، يبدو أن لبنان يقف اليوم أمام مجموعة من الفرص التاريخية التي لا يجوز التفريط بها، خصوصا في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة. ولعل سوريا، الجارة الأقرب إلى لبنان، تشكل إحدى أبرز هذه الفرص، بعدما عانى البلدان لعقود من علاقات مضطربة نتيجة هيمنة نظام الأسد السابق على القرار الداخلي اللبناني. أما اليوم، فتبرز إمكانية بناء علاقة جديدة تقوم على التعاون المتوازن واحترام سيادة الدولتين بما يخدم مصالح الشعبين.