May 01, 2026   Beirut  °C
سياسة

جورج شاهين: العلاقة بين بعبدا وعين التينة على المحك !

بعد فترة من الترويج الإعلامي والسياسي لأجواء من التوافق بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، جرى تصوير العلاقة بين الرجلين على أنها مستقرة وإيجابية، غير أن التطورات الأخيرة أعادت طرح علامات استفهام حول حقيقة هذا التفاهم.

فقد جاء رد الرئيس بري على مواقف الرئيس عون أمام وفد الهيئات الاقتصادية ليكشف أن العلاقة بين الطرفين ليست بالمتانة التي أُشيعت. إذ أكد الرئيس عون أنه كان، في كل خطواته المتعلقة بالمفاوضات، في حالٍ من التنسيق والتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، نافياً ما يُتداول في الإعلام حول انفراده بالقرار، ومشيرًا إلى أن النص الوارد في البيان الأميركي حول منح إسرائيل حرية الحركة هو نفسه الذي ورد في اتفاق تشرين الثاني 2024، والصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو نص لا يرقى إلى مستوى الاتفاق، بل هو بيان يسبق استكمال المفاوضات.

في المقابل، رد الرئيس بري ببيان اعتبر فيه أن ما نُقل على لسان رئيس الجمهورية "غير دقيق"، ما يعكس تباينًا واضحًا في مقاربة الملفات السياسية الحساسة. فإلى أين تسير العلاقة بين الرئيسين عون وبري؟


في معرض تعليقه على تلك التطورات السياسية، دعا الصحافي جورج شاهين إلى مراجعة أرشيف الزيارات واللقاءات، ولا سيما آخر زيارة قام بها رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى قصر بعبدا قبل نحو شهر من اندلاع الحرب، أي منذ ما يقارب ثلاثة أشهر.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن المعطيات المتداولة في الخطاب السياسي لا تعكس بدقة طبيعة الوضع القائم، مشيرًا إلى وجود تضارب بين ما يُقال عن العلاقات السياسية المستقرة وبين الواقع الفعلي، ولا سيما ما يتصل بعلاقة رئيس مجلس النواب نبيه بري بكل من رئيس الجمهورية والأطراف السياسية الأخرى.


ولفت إلى أن الرئيس بري يمر بظرف سياسي دقيق ومعقد، وأنه يواجه تحديات مرتبطة باتخاذ قرارات مصيرية لا تزال قيد التعثر، رغم حساسية المرحلة الراهنة. وأضاف أن بري يكرر في مواقفه رفضه لانزلاق الوضع نحو فتنة داخل الطائفة الشيعية، قائلًا إنه يرفض أن تُسفك الدماء أو أن يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة داخلية دامية.


وأشار شاهين إلى أن هذا الموقف يعكس خشية بري الحقيقية من تفاقم التوترات القائمة، ولا سيما في ظل ما تشهده الساحة من إشكالات أمنية بين الحركة والحزب، تمتد على مختلف مناطق الجنوب ومراكز الإيواء، والتي لم تعد خافية على أحد.


وفي سياق متصل، اعتبر أن هذا الواقع يضع الرئيس بري أمام معادلة صعبة، إذ يجد نفسه مضطرًا إلى الموازنة بين دوره كرئيس للسلطة التشريعية من جهة، ودوره كرئيس لحركة أمل من جهة أخرى، وهو ما يفرض عليه التعامل مع اعتبارات سياسية داخلية معقدة، تتصل بالبيئة الشيعية، وبالتحالفات القائمة، وبالمصالح الوطنية العامة.


وأوضح أن أي انخراط مباشر في إدارة الملفات السياسية أو المفاوضات الدولية يضعه أمام إشكالية دستورية وسياسية، خصوصًا في ظل وجود حكومة قائمة ورئاسة جمهورية في قصر بعبدا، ما يجعل صلاحياته محكومة بسقف النظام الدستوري اللبناني.


وأضاف أن المرحلة الحالية تختلف عن مراحل سابقة، إذ لم يعد بالإمكان الفصل بسهولة بين الأدوار السياسية المختلفة، في ظل وجود حكومة فاعلة ورئيس جمهورية يمارس صلاحياته الدستورية، الأمر الذي يفرض إعادة ضبط طبيعة التدخلات السياسية وحدودها.


ولفت شاهين إلى أن الرئيس بري ينظر بقلق بالغ إلى ما آلت إليه الأوضاع في الجنوب، حيث يرى أن جزءًا كبيرًا مما جرى بناؤه خلال العقود الماضية من مشاريع ومؤسسات وتنمية قد تضرر أو تلاشى بفعل تداعيات الحرب التي خاضها حزب الله، وما رافقها من دمار واسع طال البنية التحتية والقطاعات الحيوية في المنطقة.


كما أشار إلى أن الدعوات لعقد جلسات نيابية عامة لمناقشة التطورات قد تصطدم باعتبارات سياسية داخل المجلس النيابي. ولفت إلى أن بري يتجنب، في المرحلة الراهنة، الدعوة إلى جلسات عامة للمجلس النيابي، في ظل قناعة لديه بأن أي طرح رسمي للملف سيقود إلى تصويت قد تكون نتيجته محسومة لصالح تأييد المفاوضات مع إسرائيل، نظرًا لوجود أغلبية نيابية واسعة مؤيدة لهذا المسار، ما يدفعه إلى الحذر في إدارة هذا الاستحقاق داخل المؤسسة التشريعية.


واعتبر أن الرئيس بري يحرص على تجنب أي تصعيد سياسي قد يؤدي إلى انقسام داخلي حاد، مشيرًا إلى أنه سبق للبنان أن شهد تجارب مشابهة بعد أحداث عام 2008، حيث جرت محاولات حوار لتفادي الفتنة، بمشاركة أطراف داخلية وخارجية، من بينها وساطات عربية ودولية.


وختم شاهين بالإشارة إلى أن العلاقة بين الرئاستين الأولى والثانية تبقى محكومة بتوازنات دقيقة، مؤكدًا أن الرئيس عون لم يخرج عن الدستور وأنه فوق أي محاسبة دستورية، منتقدًا الهجوم الذي يتعرض له مقام الرئاسة الأولى من قبل الذين اتخذوا قرار الحرب.


وخلاصة القول، تبدو العلاقة بين الرئاستين الأولى والثانية محكومة بتباينات أعمق مما يُعلن في الخطاب السياسي، حيث تتداخل الحسابات الدستورية مع الاعتبارات السياسية والميدانية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وبين حرص كل طرف على تثبيت موقعه ودوره، تتكشف تباينات في مقاربة الملفات الكبرى، ما يعكس صعوبة الوصول إلى أرضية تفاهم مستقرة في المدى القريب.