في أعقاب البيان الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والذي أكد فيه أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لا تعني الحزب، وأنه سيواصل ما وصفه بمساره العسكري، تصاعدت حدة الانتقادات الداخلية لهذا الموقف، الذي يُنظر إليه كخروج واضح عن منطق الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وقد أثار هذا التصريح تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور الذي يفرضه الحزب على لبنان، وحول مدى انسجامه مع مسار الدولة اللبنانية التي يُفترض أن تحتكر قرار الحرب والسلم.
في هذا الإطار، انتقد النائب كميل شمعون تصريحات قاسم، معتبرًا أنها ليست جديدة، بل تندرج ضمن خطاب اعتاد اللبنانيون سماعه من قيادات هذه المنظومة، التي اعتبرت نفسها لفترة طويلة صاحبة السيادة في البلاد.
وأضاف عبر منصة "بالعربي" أن الواقع اليوم تغير، إذ عادت السيادة إلى الدولة اللبنانية، التي باتت مدعومة داخليًا ومحصنة خارجيًا، في ظل مسار تفاوضي قائم يُفترض أن يؤدي إلى اتفاق واضح يطال لبنان والجنوب والمنطقة ككل.
وفي سياق متصل، رأى شمعون أن المشهد الإقليمي يتجه نحو تطورات كبيرة، لا سيما في ظل التوتر بين إيران والولايات المتحدة، معتبرًا أن أي تصعيد، بما في ذلك الحصار البحري، لن يكون في مصلحة إيران.
وأضاف أنه عاجلًا أم آجلًا ستجد إيران نفسها أمام خيار التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، ومن ضمنها حزب الله، أو مواجهة ضربة قاسية قد تطالها وتطال حلفاءها.
وعلى الصعيد الداخلي، شدد شمعون على أهمية الحفاظ على صيغة التعايش في لبنان، معتبرًا أن حزب الله لم يعد يمتلك سوى الخطاب السياسي، بعد تراجع قدراته العسكرية، وأنه يلجأ إلى ممارسات وصفها بالبلطجية في الداخل للضغط على اللبنانيين.
وفي ما يتعلق بموقف رئيس الجمهورية الأخير، أكد شمعون أن رئيس الدولة يتحرك ضمن الثوابت الوطنية والدستورية، وأن أي مقاربة يجب أن تبقى ضمن إطار القانون.
ولفت إلى أن اتفاق الطائف واضح في ما خص حل الميليشيات وتسليم أسلحتها، سواء كانت تابعة لحزب الله أو لفصائل فلسطينية أو أي جهة أخرى تحمل سلاحًا غير شرعي، مشددًا على أن هذا السلاح لا يمكن أن يكون له أي غطاء قانوني.
كما دعا شمعون الجيش اللبناني إلى تحمل مسؤولياته كاملة، عبر استخدام كل إمكاناته لضبط الوضع الأمني، ومنع ظهور بؤر أمنية خارجة عن سيطرة الدولة، مشيرًا إلى وجود تقصير من بعض الأجهزة التي لا تتصرف وفقًا لمفهوم الدولة، بل تتبع أساليب غير منضبطة، ما يستدعي محاسبتها.
وحول المخاوف من فتنة داخلية، اعتبر شمعون أن بعض الجهات تحاول افتعال توترات أمنية وإثارة إشكالات، كما حصل في مناطق عدة مؤخرًا، بهدف تحويل الأنظار عن المسار السياسي الذي تسلكه الدولة.
لكنه أكد في المقابل أن هذه المحاولات لن تنجح، لأن الشعب اللبناني لم يعد مستعدًا للعودة إلى الحروب الأهلية أو إلى جعل أرضه ساحة لصراعات الآخرين.
وختم شمعون بالتشديد على ضرورة أن يقوم الجيش بدوره الكامل خلال هذه المرحلة، لا سيما في ظل تمديد وقف إطلاق النار، من خلال مداهمة الأماكن التي يُشتبه بوجود سلاح غير شرعي فيها، وتوقيف المخالفين ومحاسبتهم، معتبرًا أن أي تهاون في هذا المجال يضر بسمعة الدولة ويقوض ثقة المواطنين بها.
وعليه، تعكس مواقف نعيم قاسم ومسؤولو حزب الله استمرار نهج يضع لبنان خارج منطق الدولة ومؤسساتها، ويكرس واقعًا من القرارات المنفردة التي تتجاوز الإجماع الوطني. ومع هذا الإصرار على تغليب الحسابات الخاصة على المصلحة العامة، يجد البلد نفسه أمام مزيد من التعقيد والانقسام، في وقت تتطلب فيه المرحلة العودة الصريحة إلى منطق الدولة الواحدة، وسحب أي مسارات موازية تُضعف سيادتها وتثقل أزماتها.