April 27, 2026   Beirut  °C
سياسة

ماذا لو طُبّق اتفاق الطائف بالكامل؟

عاش لبنان منذ نيله استقلاله عن فرنسا في العام 1943 فترات متلاحقة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، وذلك بفعل التركيبة الطائفية التي طبعت هذا البلد منذ نشأته، حيث قامت هذه الصيغة على تقاسم السلطة وفق اعتبارات طائفية ومذهبية.

وقد ساهم هذا النموذج في تمثيل مختلف المكونات، إلا أنه، في الوقت نفسه، جعل النظام عرضة لتجاذبات داخلية وتأثيرات خارجية متكررة، الأمر الذي انعكس على مسار الاستقرار السياسي في البلاد عبر مراحل عدة.

وكان من المفترض أن يشكل لبنان نموذجا متميزا في التعددية والتعايش، ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في العالم ككل، غير أن التطورات اللاحقة أظهرت تعقيدات بنيوية حالت دون تحقيق هذا الاستقرار بشكل دائم.


حاول اللبنانيون مع إعلان الاستقلال إظهار صورة الوحدة الوطنية الجامعة، إلا أن مجريات الأحداث اللاحقة أظهرت وجود تباينات سياسية وفكرية عميقة بين مختلف المكونات، إضافة إلى ارتباطات إقليمية ودولية أثرت على التوازن الداخلي.


ومع مرور الوقت، أصبحت الساحة اللبنانية تتأثر بشكل متزايد بالتطورات الإقليمية، خصوصا في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ومن أبرز المحطات التي شهدها لبنان أحداث العام 1958، والتي جاءت نتيجة تداخل عوامل داخلية وإقليمية، حيث شهد البلد حالة من الانقسام السياسي والتوتر الأمني، انعكست في تحركات شعبية ومواجهات عسكرية وسياسية محدودة. وقد ارتبطت هذه المرحلة بالسياق الإقليمي آنذاك، حيث كان المد القومي العربي في أوجه، بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ما انعكس على مواقف شرائح لبنانية مختلفة. وقد انتهت تلك الأزمة بتسوية سياسية ساهمت في إعادة تثبيت الاستقرار النسبي.


أما المرحلة التالية فتمثلت في اتفاق القاهرة الذي عقد في العام 1969، والذي جاء في سياق إقليمي حساس مرتبط بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل. وقد نص الاتفاق على تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان، بما في ذلك التواجد في المخيمات وبعض الترتيبات المتعلقة بالعمل العسكري انطلاقا من الأراضي اللبنانية. وقد أدى هذا الاتفاق إلى نقاش داخلي واسع حول انعكاساته على السيادة اللبنانية، في ظل تباين وجهات النظر بين مختلف القوى السياسية.


ومع تصاعد التوترات في المنطقة، دخل لبنان في مرحلة الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1975 واستمرت حتى 1990، وهي مرحلة طويلة ومعقدة شهدت تغيرات كبيرة في البنية السياسية والاجتماعية. وقد تنوعت أشكال الصراع خلالها بين مواجهات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية، ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة، إضافة إلى تراجع مؤسسات الدولة في عدد من المراحل.


وخلال هذه المرحلة، برزت محاولات عدة لاحتواء النزاع، إلى أن تبلورت في نهاية المطاف مبادرة إقليمية ودولية بدعم عربي، كان من أبرز عناوينها انعقاد مؤتمر الطائف في المملكة العربية السعودية. وقد لعبت المملكة دورا في استضافة الحوار اللبناني - اللبناني، حيث اجتمع النواب اللبنانيون في مدينة الطائف للتوصل إلى تسوية شاملة.


وقد ساهم هذا المسار، بالتنسيق مع أطراف عربية ودولية، في وضع حد للحرب وإطلاق مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة.


وفي هذا السياق، برز دور الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مرحلة التحضير لهذا الاتفاق وما تلاه، من خلال المساهمة في دعم مسار إعادة الإعمار وتعزيز المؤسسات الاقتصادية والإدارية، بالتوازي مع الجهود السياسية التي رافقت تنفيذ بنود اتفاق الطائف. كما شكلت تلك المرحلة بداية لمرحلة جديدة من إعادة تنظيم الحياة السياسية في لبنان.


وقد نص اتفاق الطائف على مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها إعادة توزيع الصلاحيات بين السلطات الدستورية، وتعزيز مبدأ الشراكة الوطنية، إضافة إلى التأكيد على المناصفة في التمثيل النيابي بين المسلمين والمسيحيين، والسعي التدريجي نحو إلغاء الطائفية السياسية. كما نص الاتفاق بشكل واضح على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وتأكيد حصرية السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية، وحل كلجميع الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة، بما يعزز مفهوم الدولة الواحدة ذات السيادة.


إلا أن المرحلة التي تلت إقرار الاتفاق شهدت تفاوتا في تطبيق بعض بنوده، حيث تأثر التنفيذ بالظروف السياسية والأمنية التي استمرت في البلاد لسنوات لاحقة، بما في ذلك استمرار الوصاية السورية على لبنان. كما أن مسار تنفيذ الطائف مر بمحطات عدة أثرت على وتيرة تطبيقه الكامل.


وفي السنوات الأخيرة، ومع استمرار التحديات التي تواجه لبنان على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لا سيما بعد حربي إسناد غزة وإيران، عادت الدعوات إلى ضرورة الالتزام الكامل باتفاق الطائف باعتباره الإطار المرجعي للنظام السياسي اللبناني.


وفي هذا السياق، شددت بعض المواقف الدولية والعربية على أهمية استكمال تطبيق بنوده، بما في ذلك تعزيز سيادة الدولة وحصرية السلاح بيد مؤسساتها الشرعية.


وقد جاء في هذا الإطار ما عبر عنه الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، حيث أكد على أهمية الالتزام بالمرجعيات الدستورية القائمة، وفي مقدمتها اتفاق الطائف، باعتباره الأساس الذي يمكن أن يضمن استقرار الدولة اللبنانية واستعادة انتظام مؤسساتها، ضمن رؤية تقوم على دعم الاستقرار والالتزام بالحلول السياسية.


وبذلك، يبقى اتفاق الطائف الإطار الأساسي الذي يجمع عليه اللبنانيون نظريا كمرجعية لتنظيم الحياة السياسية، في انتظار استكمال تطبيق بنوده بشكل متكامل بما يحقق الاستقرار الأمني والسياسي والمؤسساتي على المدى الطويل.