تتداول الأوساط السياسية، نقلا عن مصادر مطلعة، معلومات تفيد بأن أجواء القصر الجمهوري في بعبدا عكست انزعاجا واضحا من موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض للمفاوضات المباشرة.
وبحسب هذه المصادر، فإن هذا الموقف لم يكن منسجما مع مؤشرات سابقة أوحت بإمكان قبول بري بهذا المسار، شرط التوصل إلى وقف لإطلاق النار، قبل أن يطرأ تبدل ملحوظ خلال اليومين الأخيرين. ويطرح هذا التباين في المواقف تساؤلات جدية حول الجهة التي تتحكم فعليا بمصير المفاوضات، وما إذا كان ذلك يرتبط بالمواقف المعلنة أو غير المعلنة لبري، أم أنه يعود في جوهره إلى حسابات الجانب الإسرائيلي ومدى استعداده لإبداء مرونة سياسية.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة خفض سقف الشروط الإسرائيلية كعامل أساسي لإفساح المجال أمام إنجاح تلك المفاوضات، إذ إن الإبقاء على الشروط المرتفعة من شأنه أن يعرقل أي تقدم محتمل.
وتتجه الأنظار إلى واشنطن، لا سيما ما سيتمخض عن الجلسة التمهيدية الثانية بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي، وسط ترقب لنتائجها وانعكاساتها، لا سيما في ظل ارتباطها بزيارة الرئيس جوزاف عون المرتقبة إلى الولايات المتحدة، وما قد تحمله من دفع إضافي لمسار التفاوض.
في هذا السياق، قال المحلل السياسي والصحافي الدكتور داوود رمال إن المشكلة الأساسية في مسار التفاوض لا تكمن في الجانب اللبناني، بل في الموقف الإسرائيلي الذي يرفض من حيث المبدأ الدخول في مفاوضات جدية، ولا يبدي رغبة حقيقية في التوصل إلى اتفاق مع لبنان، موضحا أن هذا الموقف أصبح واضحا خلال الفترة الأخيرة. وأشار إلى أن الجانب الإسرائيلي لم يوافق على الذهاب إلى طاولة المفاوضات إلا نتيجة ضغط أميركي مباشر.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن إسرائيل تركز في هذه المرحلة على تحقيق مكاسب ميدانية، من خلال تكريس ما تسميه "الشريط الأصفر" أو "المنطقة الآمنة"، حيث تعمل على تغيير المعالم البشرية والجغرافية في تلك المناطق، من دون أن تظهر اهتماما فعليا بالوصول إلى اتفاق مع لبنان، معتبرا أن هذا التوجه يعكس استراتيجية إسرائيلية تقوم على فرض وقائع جديدة على الأرض بدلا من الانخراط في مسار تفاوضي جدي.
وفي ما يتعلق بالاجتماع التمهيدي الثاني المرتقب، أشار رمال إلى أن جلسة اليوم ستبحث في عدد من القضايا الأساسية، وفي مقدمتها تمديد الهدنة، إضافة إلى مسألة تحديد موعد ومكان انطلاق المفاوضات، لافتا، في الوقت نفسه، إلى أن الجانب الإسرائيلي لا يزال يتجنب حتى الآن الخوض في هذه التفاصيل، ما يعرقل التقدم في المسار التفاوضي.
كما تطرق إلى الرهانات اللبنانية على هذا المسار، موضحا أن بعض الجهات في لبنان تعتقد أن المفاوضات قد تكون سريعة، إلا أن التجارب السابقة تشير إلى عكس ذلك. واستشهد بمثال التفاوض على الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل المستمرة منذ أكثر من 8 أشهر من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، ما يدل على أن هذا النوع من المفاوضات يكون معقدا وطويلا بطبيعته.
وفي السياق الدولي، أشار رمال إلى أن من مصلحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحقيق إنجاز في هذا الملف قبل شهر تشرين الثاني المقبل، من أجل استثماره في الانتخابات النصفية. وأوضح أن لبنان يراهن على هذا الدافع الأميركي لدفع عملية التفاوض قدما، لا سيما بعد أن أوكل ترامب الملف اللبناني إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يعد من أبرز الشخصيات في الإدارة الأميركية، ما يعكس وجود جدية أميركية في السعي لإيجاد حل للصراع اللبناني الإسرائيلي.
وأكد أن مسار التفاوض لا يزال معلقا إلى حد كبير على الموقف الإسرائيلي، مرجحا أن تطول هذه العملية في ظل التعقيدات القائمة وغياب الإرادة الحقيقية لدى إسرائيل للوصول إلى تسوية شاملة.
وعليه، يبقى مستقبل المفاوضات رهنا بالضغوط الأميركية والمواقف الدولية والإقليمية، وسط ترقب داخلي لإمكانِ حدوث اختراق قد يفتح الباب أمام حلول سياسية طال انتظارها من قبل معظم اللبنانيين.