April 21, 2026   Beirut  °C
سياسة

عن الخريطة "الحمراء".. حارث سليمان: ما يحصل تهجير ممنهج

أثار نشر إسرائيل لما يسمى بالخط الأصفر في جنوب لبنان جدلا واسعا، قبل أن تعود وتطرح خريطة جديدة باللون الأحمر تضم مناطق إضافية لم تكن مشمولة سابقا بمساحة تبلغ نحو 500 كلم مربع، تمتد شرقا نحو جبل الشيخ وتشمل نقاطا في شمال الليطاني من الجهة الشرقية.

هذا التطور فتح الباب أمام تساؤلات عدة حول دلالات هذا التوسع الجغرافي، وما إذا كان يعكس تحولا في الأهداف العسكرية أو السياسية. كما يطرح علامات استفهام حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود التصعيد المحتمل، وما إذا كانت هذه الخرائط تمهد لفرض وقائع ميدانية جديدة.

في هذا السياق، قدم الباحث والمحلل السياسي الدكتور حارث سليمان قراءة موسعة للتطورات الميدانية المرتبطة بنشر خريطة جديدة باللون الأحمر، تختلف عن الخط الأصفر السابق، موضحا أن هذه المناطق تضم بلدات مثل ميمس وعين عطا والهبارية وكفر حمام، إضافة إلى محيطها، وهي مناطق ذات تركيبة سكانية متنوعة، حيث تغلب عليها طوائف غير شيعية، من دروز ومسيحيين وسنة، مع وجود محدود للتداخل السكاني.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذه البلدات لم تعد تضم أي وجود عسكري فعلي أو نشاط مسلح مرتبط بحزب الله، لافتا إلى أن بعض الفصائل، كالجماعة الإسلامية وقوات الفجر، كانت موجودة تاريخيا ثم انتهى دورها، ما يسقط أي مبرر عسكري مباشر لاستهدافها.


وأكد سليمان أن ما يحصل على الأرض يعكس توجها إسرائيليا واضحا نحو تفريغ هذه القرى من سكانها، عبر الضغط الجوي والتهديد المستمر، على الرغم من بقاء عدد من الأهالي في منازلهم، معتبرا أن هذا السلوك يندرج ضمن سياسة تهجير قسري ممنهج، تهدف إلى خلق واقع ديمغرافي جديد.


وفي سياق متصل، شدد على أن هذه الممارسات تشكل خرقا صريحا للقانون الدولي، موضحا أن التهجير الجماعي للسكان يعد جريمة حرب، وكذلك فرض مناطق عازلة تمنع السكان من العودة إلى منازلهم على الرغم من وقف إطلاق النار.


وقال سليمان إن الدمار الواسع الذي تلحقه إسرائيل بالمباني لا يمكن تبريره كأضرار جانبية ناتجة عن مواجهات مسلحة، بل هو، بحسب وصفه، هدم ممنهج يستهدف البنية السكنية بشكل مباشر، من دون أي ضرورة عسكرية، مشيرا إلى أن الادعاء بإنشاء منطقة عازلة لأغراض أمنية لا يستند إلى مبرر قانوني أو عملي، إذ إن تدمير المنازل لا يوفر أي مكسب أمني حقيقي، بل يهدف فقط إلى منع السكان من العودة إلى مناطقهم.


ولفت إلى أن أي منطقة عازلة، إن كان لا بد منها، يجب أن تقام داخل أراضي الدولة التي تطالب بها، لا داخل أراضي دولة أخرى، مؤكدا أن فرض مثل هذه الإجراءات داخل الأراضي اللبنانية يمثل انتهاكا واضحا للسيادة.


وعن الفرق بين الخطين الأصفر والأحمر، أوضح سليمان أن إسرائيل لا تسيطر فعليا على هذه المناطق سيطرة برية كاملة، بل تعتمد على سلاح الجو والطائرات المسيرة لفرض واقع أمني يدفع السكان إلى النزوح، مشيرا إلى أن هذا لا يرقى إلى احتلال مباشر بقدر ما هو فرض بالقوة من بعد.


وفي ما يتعلق بأي اتفاق محتمل بين لبنان وإسرائيل، شدد على أن أي اتفاق لا يتضمن انسحابا كاملا لإسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، والعودة إلى الحدود الدولية وخط الهدنة لعام 1949، هو اتفاق بلا قيمة، ولا يحقق مصلحة لبنان أو سيادته.


وفي المحصلة، تعكس هذه التطورات مسارا تصعيديا يفرض واقعا جديدا في جنوب لبنان، يشبه إلى حد بعيد ما كان قائما قبل التحرير في العام 2000، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول نيات إسرائيل، وما إذا كانت تتجه نحو تثبيت وجود طويل الأمد في تلك المناطق أم أن هذا الواقع يبقى مرحليا بانتظار الانسحاب، في ظل ضرورة التمسك بالقانون الدولي وصون السيادة الوطنية.