يترقب اللبنانيون صمود وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدنة لمدة 10 أيام، في حين كانت صحيفة "هآرتس" قد أشارت قبل ذلك إلى استعداد الجيش الإسرائيلي لبدء هدنة مع لبنان مساء أمس (الخميس)، وسط تساؤلات حول مدى التزام تل أبيب بمندرجات أي اتفاق محتمل، أو ما إذا كان المشهد الذي تلا وقف إطلاق النار السابق سيتكرر من حيث استمرار الاستهدافات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية على الرغم من الهدنة المعلنة.
في مقاربة سياسية وعسكرية للوضع القائم، رأى العميد المتقاعد طوني أبي سمرا أن مسار وقف إطلاق النار لا يمكن فصله عن الحراك الدبلوماسي الحالي، لا سيما الجلسة التمهيدية التي عقدت في واشنطن بين السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي، إضافة إلى الاتصال الذي حصل بين الرئيس جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، مشددا على أنّ فهم المشهد يتطلب ربط المسار الدبلوماسي بمسار وقف إطلاق النار باعتبارهما مسارين متداخلين لا منفصلين.
وانطلاقا من السيناريو الأول، أي نجاح المفاوضات الدبلوماسية بالتوازي مع تثبيت وقف إطلاق النار، أوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن كل طرف سيعمل على تفسير النتائج وفق حساباته السياسية والإعلامية. ففي هذه الحالة، قد يعلن حزب الله أنه حقق انتصارا سياسيا أو ميدانيا، مستشهدا، في هذا السياق، بمقولة منسوبة إلى وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر مفادها أن القوات الكلاسيكية تحتاج إلى الانتصار لتجنب الهزيمة، بينما القوات غير النظامية يكفيها ألا تهزم لكي تعتبر نفسها منتصرة.
وبحسب هذا التصور، رأى أبي سمرا أن نجاح المسار الدبلوماسي قد يؤدي إلى خفض وتيرة التصعيد العسكري، من دون أن يعني ذلك توقفا كاملا للاستهدافات الإسرائيلية، إذ قد تستمر عمليات محدودة كما حصل خلال المرحلة السابقة. وفي المقابل، قد يتراجع احتمال قيام حزب الله بأي ردود عسكرية واسعة، نتيجة وجود غطاء سياسي مرتبط بالتهدئة وبالتفاهمات الدولية، مشيرا إلى أن المسار يرتبط أيضا بالمفاوضات الإيرانية الأميركية، حيث إن أي تقدم بين طهران وواشنطن قد ينعكس تهدئة أوسع تشمل الساحة اللبنانية، ضمن مصلحة أميركية في خفض التوتر الإقليمي.
أما في السيناريو الثاني، أي تعثر المسار الدبلوماسي وصولا إلى اهتزاز وقف إطلاق النار، فقد حذر من أن الوضع في لبنان قد يدخل مرحلة أكثر خطورة، خصوصا في ظل عجز الدولة اللبنانية عن فرض معادلة أمنية أو سياسية قادرة على معالجة ملف السلاح أو الدخول في تسوية مستقرة مع إسرائيل، معتبرا، في هذه الحالة، أنّ إسرائيل قد تتجه إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية والأمنية، بما يشمل تعزيز ما تسميه الحزام الأمني، وربما التقدم باتجاه نهر الليطاني أو أبعد من ذلك. وأشار إلى التصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن إعطاء تعليمات بالتحرك في محيط جبل الشيخ، بما يعكس توجها نحو توسيع رقعة العمليات.
كما لفت أبي سمرا إلى أن إسرائيل تعتمد في بعض عملياتها على نمط التفاف ميداني محدود وسريع، عبر محاور جغرافية مختلفة في الجنوب، مثل الحركات الممتدة من جهة جبل الشيخ نحو حاصبيا ومشغرة وجزين، أو عبر احتمالات تحرك أوسع من جهة المصنع باتجاه البقاع الشرقي، بهدف تطويق مواقع تعتبرها مرتبطة بالبنية العسكرية لحزب الله.
وفي حال فشل المفاوضات بالكامل، رأى أن الخيار العسكري سيصبح أكثر حضورا، سواء عبر عمليات أعمق داخل الأراضي اللبنانية أو عبر فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض، بما يفتح نقاشا حول ما يسمى مرحلة ما بعد العمليات العسكرية، أي مسألة السيطرة والاستقرار لاحقا، موضحا أن نتائج أي احتلال بري معقدة من حيث ما سيأتي بعده.
كما اعتبر أن الحل النهائي يفترض دورا للدولة اللبنانية في ضبط ملف السلاح، إلا أن قدرة الدولة على القيام بذلك تبقى محدودة في ظل التوازنات الداخلية والإقليمية، ما لم تحدث تغييرات كبرى في الموقف الإيراني أو في طبيعة التفاهمات الدولية. وقال: حزب الله، بحسب تقديري، يعيش اليوم وضعا داخليا ضعيفا نسبيا، ولا يمتلك بيئة قادرة على دعم أي مغامرة عسكرية واسعة داخل لبنان، كما أن أي خطوة غير محسوبة قد تضعه في مواجهة مباشرة مع الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي، مشيرا إلى أن التوازنات الإقليمية، لا سيما المفاوضات الإيرانية الأميركية، تشكل عاملا ضابطا لسلوك مختلف الأطراف، وأن البيئة الدولية لا تبدو في وارد تغطية أي تصعيد داخلي واسع في لبنان، ما يجعل خيار الانزلاق إلى مواجهة شاملة أقل احتمالا في المرحلة الراهنة.
وعليه، فإن المشهد اللبناني مرتبط بتشابك دقيق بين الدبلوماسية والتطورات العسكرية، وأن مستقبل التهدئة أو التصعيد سيبقى مرتبطا بما ستؤول إليه نتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.