يعود ملف القرارات الدولية المرتبطة بلبنان إلى الواجهة، وفي طليعتها القرار 1701، وسط تساؤلات متجددة حول إمكان تطبيقه فعليا على الأرض. وبين النصوص الدولية والواقع اللبناني المعقد، تتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية والداخلية، ما يجعل هذا الملف واحدا من أكثر الملفات حساسية ودقة في المرحلة الراهنة، في ظل ترقب لمسار الاستقرار ودور الجيش اللبناني في إدارة المرحلة.
ضمن هذا الإطار، تطرح علامات استفهام حول مستقبل الاستقرار، ودور الجيش اللبناني، وحدود الضمانات الدولية في حماية لبنان من أي تصعيد محتمل، وما إذا كان الجيش اللبناني اليوم جاهزا لتسلم "حصرية السلاح" في الجنوب فعليا.
وفي هذا السياق، أكد اللواء الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن الجيش اللبناني جاهز لتسلم "حصرية السلاح" في الجنوب وفي كل لبنان، لكن بشرط واحد، وهو أن تؤمن له متطلباته اللوجستية، سواء من حيث المعدات أو الدعم اللوجستي، مع الإشارة إلى أنه لا يتحدث هنا عن الأسلحة، إذ إن الجيش ليس في وارد مواجهة حزب الله ولا مواجهة إسرائيل.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إنه يجب تأمين هذه المتطلبات أولا، إضافة إلى تأمين الرواتب بما يتيح للعسكري أن يتفرغ لعمله في الجيش من دون أن يضطر إلى العمل في وظيفة أخرى خارج المؤسسة، لافتا إلى أن بعض العسكريين يقضون جزءا من وقتهم في الخدمة وجزءا آخر في أعمال أخرى، ما يؤثر على جهوزية الجيش، بحيث يصبح عمليا يعمل بنحو ربع إمكاناته الفعلية.
وأوضح شحيتلي أن الجيش اللبناني يعمل في الظروف العادية بنحو 75% من إمكانياته، من دون أن يكون في حالة حجز أو تعطيل، إلا أن هذه النسبة قد تصل في بعض حالات الحجز إلى نحو 95%، لافتا إلى أن جهوزية الجيش لم تنخفض يوما عن 70%.
وأشار إلى أن هذه المعطيات غير معروفة لدى كثير من الناس وبعض الصحافيين، موضحا أن العسكري يحتاج إلى أن يكون متفرغا لعمله، وأن تؤمن له احتياجاته الأساسية من غذاء وغاز ومعيشة لعائلته، حتى يتمكن من أداء واجبه من دون أن يضطر إلى الانشغال بتأمين هذه المتطلبات بنفسه، إذ إن الأولوية بالنسبة له هي تأمين أسرته.
وقال شحيتلي إنّ تجهيز الجيش وتعزيزه يجب أن يهدف إلى تمكينه من تنفيذ كل مهامه بكفاءة، بالتوازي مع تمكين القوى الأمنية الأخرى من تحمل مسؤولياتها، بحيث لا يطلب من الجيش التدخل في كل حادث أو إشكال بين طرفين، بل تتولى قوى الأمن الداخلي وغيرها من الأجهزة مهامها على كامل الأراضي اللبنانية، لافتا إلى أنّ الهدف هو أن تتفرغ المؤسسة العسكرية لمهمتها الأساسية، أي حماية الحدود وضبطها، بما يتيح لها القيام بدورها في إطار "حصرية السلاح" بشكل كامل وفعال.
أما عما إذا كان لبنان قد تعلم من "17 أيار" أن الاتفاقات التي تعقد في غياب "الوفاق الداخلي" تكون محكومة بالموت والإلغاء كلما تغير ميزان القوى، فقد أوضح أن أي اتفاقات دولية من دون توافق داخلي تعني عمليا أن لبنان ليس جمهورية موحدة، مشيرا إلى أنّه منذ العام 1862، مع إنشاء المتصرفية، وحتى اليوم، لم يكن لبنان جمهورية موحدة، بل بلد يقوم على التوافق ويحكم بمنطق "الجمهوريات المتعددة" ضمن إطار واحد. وقال إنّ هذا النظام القائم على الطائفية يفترض التوافق على القضايا الكبرى، مع إمكانية الاختلاف على القضايا الثانوية.
وأوضح شحيتلي أن الدستور اللبناني يتيح اتخاذ القرارات في مجلس النواب ومجلس الوزراء بأكثرية الثلثين في بعض الحالات، إلا أن القضايا الكبرى تحتاج إلى توافق وطني، لأنها تفقد "الميثاقية" في حال غياب هذا التوافق، معتبرا أنّ اتفاقات تفتقد إلى الميثاقية، سواء كانت مرتبطة بالسلاح أو بغيره، لا يكتب لها الاستمرار أو الحياة.
أما عما إذا كان لبنان قادرا اليوم على تطبيق القرار 1701 "فعليا" (وليس فقط حبرا على ورق)، من دون أن ينزلق إلى مواجهة داخلية أو إلى تطبيق القرار 1559، فأشار إلى أنّ تطبيق القرار 1701 كان ولا يزال يحظى بإجماع وطني، وإذا استمر هذا الإجماع يمكن تطبيقه، في حين أن القرار 1559 لا يزال حتى اليوم من دون إجماع وطني، معتبرا أنّه في ظل ما يحصل في الجنوب، وما يقال عن نوايا احتلال لسنوات، يصبح تطبيق القرار 1559 عمليا شديد الصعوبة، لأنه لا يمكن للدولة أن تطلب من أبناء بنت جبيل أو غيرها التخلي عن وسائل الدفاع عن أنفسهم في ظل استمرار الاحتلال.
وقال إنّ هذا الأمر يرتبط بمفهوم الحق في مقاومة الاحتلال وفق القانون الدولي واتفاقيات جنيف، مؤكدا أنه لا يمكن تجاوز هذا الحق بقرارات داخلية، ولا يمكن للدولة أن تنزع السلاح من شعبها في ظل احتلال قائم.
في المحصلة، يبقى هذا الملف مفتوحا على احتمالات عدة، حيث لا يكفي القرار الدولي وحده لضمان التنفيذ، بل يبقى الأمر رهن التوازنات الداخلية والظروف الميدانية. وبين ضغوط الواقع وحسابات السياسة، يبقى الاستقرار هدفا معلقا على قدرة الأطراف على إنتاج تفاهمات عملية، تحفظ الدولة وتجنب لبنان أي تصعيد محتمل.