في سياق التحضيرات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها العاصمة بيروت، تتواصل اجتماعات نواب المدينة في إطار بلورة مقاربة موحدة للمرحلة، تمهيدا لمؤتمر موسع يفترض أن يعقد اليوم (الخميس)، ويضم عددا من النواب والفعاليات البيروتية، بهدف مناقشة الواقعين الأمني والسياسي في العاصمة في ظل التطورات الأخيرة وما رافقها من تصعيد إسرائيلي في بيروت إضافة إلى التوترات الداخلية، وحملات التخوين والتحريض ضد رئيس الحكومة نواف سلام.
اللافت في هذه اللقاءات كان غياب نواب حركة أمل وحزب الله، ما فتح باب التساؤلات حول خلفيات هذا الغياب وطبيعة المقاربة المختلفة بين القوى النيابية حيال هذه الاجتماعات ومسارها.
فهل يعكس هذا الغياب مجرد تفصيل تقني مرتبط بالتنسيق، أم أنه يعكس تباينا سياسيا أعمق حول مقاربة إدارة الشأن البيروتي وحدود هذه الاجتماعات وأهدافها في هذه المرحلة؟
في هذا الإطار، أكد عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب محمد خواجة أن عدم مشاركة نواب حركة أمل في المؤتمر المرتقب في بيروت يعود إلى ثلاثة أسباب أساسية مترابطة، موضحا أن السبب الأول يتمثل في ما وصفه بوجود استثناء لمكون أساسي في العاصمة. ولفت إلى أن هذا المكون ممثل في البرلمان وحصل على أرقام انتخابية عالية في دورتي 2018 و2022، معتبرا أن أي مقاربة لمدينة بيروت لا يمكن أن تقوم على استثناء أو تجاوز لأي من مكوناتها السياسية.
أما السبب الثاني، فاعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه يرتبط بغياب معايير واضحة للدعوات والمشاركة، موضحا أن نجاح أي لقاء أو مؤتمر يفترض أن يستند إلى حضور شخصيات ذات تمثيل فعلي وقدرة على إدارة الخلافات السياسية بشكل مسؤول وهادئ، وليس إلى تجميع مفتوح من دون ضوابط أو معايير.
وفي ما يتعلق بالسبب الثالث، وهو الأهم بحسب خواجة الذي شدد على أن الإشكالية الأساسية تكمن في العنوان نفسه، معتبرا أن توصيف "بيروت منزوعة السلاح" لا يعكس الواقع ولا يصح اعتماده كعنوان سياسي، في حين أن عناوين مثل "بيروت مدينة آمنة" أو "تعزيز الأمن في بيروت" أو تحسين الحياة فيها تبقى، برأيه، أكثر دقة وتعبيرا عن الهدف المطلوب.
وأوضح أن هذا النوع من العناوين يرسل رسائل سلبية على أكثر من مستوى، إذ يفهم داخليا وكأن العاصمة تعاني من انتشار سلاح أو وجود مراكز عسكرية، فيما يفهم خارجيا وكأنه يعطي انطباعا أو مبررا لأي استهداف قد تتعرض له بيروت، معتبرا أن استخدام هذا التوصيف بهذه الصيغة قد ينعكس سلبا على الاستقرار ويؤدي إلى نتائج عكسية، ما يستدعي دقة عالية في اختيار المصطلحات واعتماد مقاربة أكثر تحفظ أمن الناس وتطمئن الأهالي بدل إثارة الهواجس. وشدد على أن مسؤولية نواب بيروت وكل من يتولى موقعا عاما تقتضي طمأنة المواطنين وتعزيز الاستقرار الداخلي.
وفي سياق متصل، تطرق خواجة إلى مسألة التمثيل السياسي في بيروت، مشددا على أن مقاربة العاصمة يجب أن تنطلق من مبدأ الشراكة وعدم استبعاد أي مكون. واستشهد بتجربة الانتخابات البلدية في بيروت، مشيرا إلى أن نواب حركة أمل وحزب الله، وبالتعاون مع مختلف القوى، ساهموا في تشكيل لائحة ائتلافية واسعة ضمت مكونات متعددة، بهدف الحفاظ على وحدة المجلس البلدي وتجنب وجود بلديتين في بيروت. واعتبر أن البلدية هي ركيزة من ركائز العاصمة.
وفي ما يتعلق بما أثير حول تصويت أو موافقة وزراء حركة أمل على قرار الحكومة بعنوان "بيروت منزوعة السلاح"، نفى هذا الأمر، موضحا أن ما طرح في الحكومة هو في إطار حصر السلاح، وأن الصيغة المتداولة إعلاميا غير دقيقة.
وأشار خواجة إلى أن الوزير ياسين جابر اعتبر خلال الجلسة أن التوقيت غير مناسب، وأن مثل هذا الطرح قد يفهم وكأنه يمنح ذريعة للاعتداءات الإسرائيلية، مشددا على أن هذا الملف يحتاج إلى نقاش أوسع وأعمق، وبالتالي، وفقا لرأيه، لم يُوافق من قبل وزراء حركة أمل على هذا القرار.
وفي هذا السياق، أكد أنه ضد أي وجود مسلح خارج إطار الدولة في كل لبنان وليس في بيروت فقط، نافيا بشكل قاطع وجود أي مظاهر مسلحة أو مراكز عسكرية داخل العاصمة. وشدد على أنه خلال فترة الحرب لم يشاهد أي سلاح في الشوارع أو في مراكز الإيواء أو في أي من المناطق، قائلا إنه "يجزم" بذلك استنادا إلى معايشته الميدانية للأحداث.
وأكد خواجة رفضه الكامل لحملات التخوين التي طالت رئيس الحكومة أو أي مسؤول سياسي، معتبرا أن هذا الخطاب "معيب وغير مقبول". ولفت إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري بذل جهودا لوقف هذا المسار، وأن قيادتي حركة أمل وحزب الله دعتا إلى التهدئة وعدم الانزلاق نحو التصعيد أو التوتر.
في الخلاصة، يبقى المؤتمر المرتقب محطة سيجتمع فيها نواب وفعاليات بيروتية لمناقشة مختلف العناوين المطروحة، على أن تبقى العاصمة بانتظار ما ستنتهي إليه هذه النقاشات من نتائج وخلاصات، وما إذا كانت ستترجم لاحقا إلى خطوات عملية على الأرض تعزز حماية بيروت وأهلها وتدعم أمنها واستقرارها في هذه المرحلة الدقيقة.