تحل الذكرى الحادية والخمسون على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وسط تصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت التطورات الراهنة قد تدفع لبنان نحو مسار داخلي خطير يعيد إنتاج مشاهد الماضي.
وفي ظل التحركات التي يقوم بها حزب الله على الأرض، تزداد المخاوف من انعكاسات هذا المسار على الاستقرار الداخلي، لا سيما مع تصاعد الخطاب السياسي، سواء من خلال تهديدات نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله محمود قماطي للحكومة، أو المواقف الإيرانية التي عبّر عنها مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي. ويأتي ذلك في وقت تتعثر فيه المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ما يطرح علامات استفهام حول وجهة الأوضاع في لبنان، في ظل استمرار المواجهة مع إسرائيل والانقسام الداخلي المتصاعد.
في هذا الإطار، قال الباحث والكاتب السياسي مكرم رباح إنه لا يعتقد بوجود أي مجال للمقارنة بين الحرب الأهلية اللبنانية وما يجري حاليًا في لبنان، مشددًا على أن المشهد الراهن يختلف جذريًا من حيث الطبيعة والأطراف.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن ما يحدث اليوم يتمثل، بكل وضوح، في وجود ميليشيا مرتبطة بإيران تتعرض للسلم الأهلي وللدولة اللبنانية، في حين أن مرحلة عام 1975 كانت تشهد تعددية في الأطراف وتحضيرات متقابلة، إضافة إلى خلافات متجذرة داخل البلاد.
وأضاف أن الوضع الحالي يتمحور حول قيام حزب الله، بحسب تعبيره، باختطاف الطائفة الشيعية واستخدام النظام المذهبي كأداة للصراع، معتبرًا أن ذلك يترافق مع اعتداءات لا تطال فقط بقية اللبنانيين، بل تمتد أيضًا إلى أبناء الطائفة نفسها. ورأى أن هذه المعطيات لا تسمح بالقول إن لبنان يقف على مشارف حرب أهلية جديدة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا ينفي وجود العنف.
وفي سياق متصل، اعتبر رباح أن تصريحات محمود قماطي بشأن التهديد بـ"تسونامي" ضد الحكومة تفتقر إلى المنطق، موضحًا أنه إذا كان هناك توجه لمهاجمة الحكومة، فمن المفترض الانسحاب منها أولًا مع حليفته حركة أمل. وقارن بين المرحلة الحالية وأحداث 7 أيار، مشيرًا إلى أن تلك المرحلة كانت مختلفة، إذ شهدت انقسامًا عموديًا وتحضيرات مسبقة من مختلف الأطراف، بما في ذلك وجود ميليشيات تستعد للمواجهة.
وأشار إلى أن مواقف قماطي تعكس حجم الأزمة التي يمر بها الحزب، لافتًا إلى أنهم يطالبون بوقف إطلاق النار ويبدون رغبة فيه، إلا أن الخلاف الحقيقي يكمن في الجهة التي ستتولى التفاوض، حيث يسعى الحزب، بحسب رأيه، إلى أن يكون ممثل إيران هو من يدير المفاوضات بدلًا من الدولة اللبنانية، وهو ما اعتبره فارقًا جوهريًا.
وعلى صعيد المؤسسة العسكرية، أعرب رباح عن أسفه لكونها، برأيه، لا تتمتع بالجرأة ولا بالحكمة الكافيتين لمنع تفاقم هذه القضايا، معتبرًا أن أداءها يأتي غالبًا في إطار ردّ الفعل لا الفعل. وأوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أنها تعكس، بحسب تقديره، أداء القيادة السياسية، التي تتعامل مع الوضع وكأن هناك وجهتي نظر متكافئتين في البلاد، في حين يرى هو أن الواقع يقوم على وجود دولة في مواجهة ميليشيا مرتبطة بإيران، مؤكدًا أن المعالجة يجب أن تنطلق من هذا التشخيص.
وفي ما يتعلق بالوضع الميداني، لفت إلى أن الحديث الدولي يدور حول هدنة أو وقفٍ لإطلاق النار، موضحًا أن هذه الهدنة، إن حصلت، ستقتصر على العمليات العسكرية الواسعة في لبنان، ولا سيما الضربات المكثفة، لكنها لن تعني بالضرورة توقف الأعمال القتالية بشكل كامل، خاصةً في الجنوب اللبناني.
وشدد على أن إنهاء هذا الصراع لن يكون ممكنًا إلا من خلال نزع سلاح حزب الله، معتبرًا أن مسألة التوقيع على السلام تبقى أقل أهمية مقارنةً بهذه الخطوة.
كما تطرق إلى مواقف النائب جبران باسيل الأخيرة، واصفًا إياه بالانتهازي، معتبرًا أنه تبنى هذا الطرح في هذه المرحلة لأنه يخدم موقعه داخل الشارع المسيحي، إلا أنه أشار في المقابل إلى أن أي دعوة إلى السلام، بغض النظر عن مصدرها، تشكل خطوة في الاتجاه الصحيح.
في ضوء هذا المشهد المعقد، يتضح أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة. ويبرز في هذا السياق ما يُنظر إليه كمحاولة انقلاب يقوم بها حزب الله على الدولة ومؤسساتها، بدعم وارتباط مباشر مع إيران، الأمر الذي يعمّق حالة الانقسام الداخلي ويقوّض أسس السيادة الوطنية. فاستمرار واقع ازدواجية السلطة بين الدولة وأي قوة مسلحة خارج إطارها من شأنه أن يكرّس عدم الاستقرار ويعيق أي مسار فعلي نحو التهدئة أو التعافي. كما أن الحديث عن هدنة أو وقف لإطلاق النار، وإن كان يخفف من حدة التصعيد مرحليًا، لا يشكل حلًا جذريًا ما لم يقترن بمعالجة الأسباب البنيوية للصراع، وفي مقدمتها حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز مؤسساتها الدستورية.
وعليه، فإن أي تسوية مستدامة تبقى مرهونة بإرادة داخلية جامعة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، وتضع حدًا لتغليب منطق المحاور على حساب المصلحة الوطنية، بما يفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد.