تشهد منطقة جنوب نهر الليطاني تصعيدًا عسكريًا متواصلًا يعكس تحولًا لافتًا في طبيعة العمليات، حيث باتت المواجهة تتخذ طابعًا يعتمد على التدمير الواسع والسيطرة النارية من قبل الجيش الإسرائيلي، من دون التمركز العسكري التقليدي.
وتبرز في هذا السياق استراتيجية تقوم على استهداف إسرائيل للبُنى التحتية والمواقع الحيوية، إلى جانب فرض هيمنة على التلال والمناطق المشرفة، بما يتيح مراقبة التحركات وقطع خطوط الإمداد.
كما تشير التطورات الميدانية إلى تكثيف الضربات الجوية والبرية، بالتوازي مع محاولات لتحقيق تفوق حاسم يمهّد لفرض واقع أمني جديد في المنطقة، في ظل ترقب لمسار المفاوضات المقبلة بين لبنان وإسرائيل.
في هذا الإطار، قدّم العميد المتقاعد جوني خلف قراءة شاملة لتطورات الأوضاع الميدانية جنوبًا، إذ أكد أن المعركة لم تتوقف فعليًا، بل تتخذ طابعًا تصاعديًا يعتمد على التدمير المنهجي والسيطرة النارية، من دون تثبيت وجود عسكري تقليدي على الأرض.
وأوضح عبر منصة "بالعربي" أن ما يجري حاليًا يقوم على مبدأ "الأرض المحروقة"، حيث يعمل الجيش الإسرائيلي على تدمير البُنى التحتية والسيطرة على التلال والمناطق المشرفة، لا سيما في الخيام والمواقع التي تطل على المناطق المدنية، ما يمنحه تفوقًا ميدانيًا من الداخل والخارج على حد سواء.
وأشار إلى أن هذا الأسلوب لم يكن يتطلب سابقًا توغلات برية كبيرة، إلا أن التطورات الأخيرة خلال الأيام القليلة الماضية أظهرت تصعيدًا لافتًا تمثّل في استهداف معظم مواقع حزب الله، بما فيها مخازن الذخيرة والمنصات المستخدمة لإطلاق الصواريخ المضادة للدروع، التي كانت تؤثر على الآليات العسكرية. ولفت إلى أن الصور التي نشرها الجانب الإسرائيلي تعزز هذه المعطيات، وتؤكد أن الضربات جاءت ضمن سياق مدروس يهدف إلى إضعاف القدرات القتالية للحزب.
وأضاف خلف أن المعارك شهدت في بعض المحاور اشتباكات مباشرة وقريبة، ما يدل على احتكاك ميداني على مسافات قصيرة، خصوصًا في المحاور الغربية والشرقية التي تشهد عمليات توغل. واعتبر أن إسرائيل تسعى في هذه المرحلة إلى حسم الوضع عسكريًا، وهو ما يفسر استهدافها لجسر القاسمية، رغم محاولات الجيش اللبناني إعادة تأهيله، مع الإبقاء على ممر محدود وخاضع لرقابة مشددة.
ورأى أن الجنوب يشهد "كباشًا" عسكريًا عنيفًا، مرجحًا ألّا يطول أمد هذه المرحلة، وأن تعلن إسرائيل في وقت قريب سيطرتها العسكرية على المنطقة، ولكن من دون إعلان احتلال تقليدي، بل عبر فرض سيطرة نارية وجوية واستخدام الطائرات المسيّرة، بما يحوّل المنطقة إلى نطاق عسكري مغلق يمنع الحركة فيه بشكل شبه كامل.
وفي ما يتعلق بالوضع الميداني، أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي تمكن من اختراق مواقع برية لحزب الله، معتمدًا على عمليات إنزال جوي وتنفيذ هجمات خاطفة، ما أدى إلى سقوط قتلى وأسرى في صفوف الحزب، إضافة إلى خسائر بشرية لم يتم الإعلان عنها بشكل واضح، في ظل تعتيم إعلامي ملحوظ وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب الحصار.
وأوضح أن وتيرة العمليات العسكرية مرشحة للارتفاع في المرحلة الحالية، التي وصفها بأنها مرحلة ما قبل المفاوضات، حيث تسعى إسرائيل إلى تعزيز أوراقها التفاوضية عبر تحقيق مكاسب ميدانية إضافية. واعتبر أن أي وقف لإطلاق النار في هذه الظروف سيكون مشروطًا بتفوق ميداني واضح لصالح إسرائيل.
كما أشار إلى أن بعض المناطق لا تزال تشكل تهديدًا للأمن الحدودي الإسرائيلي، ما يدفعه إلى تكثيف عملياته فيها، متوقعًا أن تتوسع رقعة الاشتباكات تدريجيًا لتشمل مناطق إضافية، وصولًا إلى واقع ميداني جديد جنوب الليطاني.
وفي ما يخص الجبهات الأخرى، استبعد خلف فتح جبهة جديدة من جهة البقاع الغربي أو جبل الشيخ في الوقت الراهن، معتبرًا أن إسرائيل تركز على الجبهة الجنوبية وتعمل على عزلها بالكامل عبر السيطرة على المرتفعات وقطع خطوط الإمداد، من دون الحاجة إلى توسيع نطاق العمليات حاليًا.
وختم بالتأكيد على أن نمط العمليات العسكرية الإسرائيلية شهد تحولًا ملحوظًا مقارنة بحرب عام 2006، حيث بات يعتمد على السيطرة عن بُعد، واستخدام النيران المكثفة والتكنولوجيا الحديثة لعزل المناطق وإخضاعها، من دون التورط في مواجهات برية واسعة ومكلفة.
تُظهر المعطيات الميدانية أن المرحلة الحالية تتسم بتصعيد إسرائيلي مدروس يهدف إلى فرض وقائع عسكرية جديدة على الأرض، في انتظار ما ستؤول إليه التطورات السياسية والمفاوضات المحتملة في الفترة المقبلة.