أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية عسكرية نوعية وصفت بأنها الأولى من نوعها ضمن نشاط عابر للحدود، انطلاقا من منطقة جبل الشيخ في شقه السوري باتجاه جنوب لبنان.
وبحسب البيان، نفذت وحدة "رجال الألب" التابعة للواء الجبال (810) مهمة خاصة في تضاريس جبلية معقدة، حيث قامت القوات بعبور الحدود عبر التسلق في الثلوج وصولا إلى منطقة جبل روس (هار دوف)، بهدف تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، وكشف ما وصفه البيان ببنى تحتية تابعة لتنظيمات معادية، باستخدام قدرات متخصصة لوحدات الكوماندوز الجبلية. كما أشار الجيش إلى أن قوات الفرقة 210 تواصل انتشارها في تلك المنطقة الحدودية الحساسة.
وفي ضوء هذا الإعلان، تبرز تساؤلات أساسية حول ماهية هذه العملية وأهدافها الفعلية، وما إذا كانت تندرج ضمن نشاط استطلاعي محدود أم تحمل مؤشرات أوسع. فهل تشكل هذه الخطوة مقدمة لتحرك عسكري إسرائيلي محتمل انطلاقا من جبل الشيخ باتجاه معبر المصنع فالبقاع الغربي، كما أشيع خلال الأشهر الماضية؟
أكد العميد المتقاعد جورج نادر أن ما أثير حول عملية استطلاع مزعومة نفذها الجيش الإسرائيلي انطلاقا من جبل الشيخ، باستخدام جنود على الزلاجات، لا يمكن أخذه بالمعنى الحرفي أو التسليم به بسهولة، حتى في حال صحة الصور أو الخبر، موضحا أنّ أي جهة عسكرية لا تعلن بشكل مباشر عن نياتها أو مسارات استطلاعها. وأشار إلى أنّ التطور التكنولوجي، لا سيما الطائرات المسيرة، يتيح لإسرائيل مراقبة المناطق على مدار الساعة، ونقل الصور بشكل فوري إلى غرف العمليات العسكرية، من دون الحاجة إلى إرسال عناصر ميدانية بوسائل بدائية نسبيا مثل التزلج، معتبرا أنّ هذا النوع من المشاهد يندرج غالبا في إطار الدعاية الإعلامية، أو الحرب النفسية، أو حتى عمليات الخداع العسكري.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الرسائل التي قد تحملها هذه الخطوة، في حال صحتها، يمكن أن تكون إما للإيحاء بأن الهجوم قد يأتي من محور جبل الشيخ، أو لتضليل الخصم عبر الإيحاء بمحاور عدّة، في حين يكون الهجوم الفعلي في مكان آخر، مؤكدا أن هذه الأساليب معروفة في العلوم العسكرية، حيث يُستخدم الخداع لتشتيت انتباه العدو وإرباك تقديراته.
وأشار نادر إلى أن الحديث عن محاور مثل جبل الشيخ أو معبر المصنع سبق أن طرح في مراحل سابقة، ولا يمكن استبعاده بالكامل، مشددا على أنّ ذلك لا يعني بالضرورة وجود تحرك فعلي في هذا الاتجاه. كما لفت إلى أن إسرائيل، في حال قررت التقدم من تلك الجهة، فقد يكون هدفها محاصرة لبنان من الشرق أو تطويق الجنوب اللبناني، مستفيدة من تجارب سابقة في المنطقة.
وفي ما يتعلق بالوضع الميداني في الجنوب، رأى أن التقدم الإسرائيلي يحصل ببطء شديد، على الرغم من امتلاك إسرائيل قدرات تدميرية كبيرة، مشيرا إلى أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرة على القتال البري، مستفيدا من معرفته الدقيقة بالأرض والتضاريس، وهو ما يمنحه أفضلية في المواجهات القريبة.
وأوضح نادر أنّ القتال البري يختلف جذريا عن الحرب الجوية، إذ إن السيطرة على الأجواء تمنح تفوقا كبيرا، لكن هذا التفوق يتراجع في حال القتال المتقارب، حيث تصبح التكنولوجيا أقل فاعلية، وتتحول المواجهة إلى اشتباك مباشر يعتمد على خبرة المقاتلين ومعرفتهم بالميدان.
وأكد أن إسرائيل تعتمد، في تقدمها، على سياسة التدمير الممنهج قبل الدخول إلى المناطق، وهو ما يعرف عسكريا بتدمير الأهداف قبل احتلالها، مشيرا إلى أن هذا الأسلوب يؤدي إلى بطء في التقدم مقابل تقليل المخاطر على القوات المهاجمة.
وعن السيطرة الميدانية، لفت نادر إلى أن إسرائيل قد تكون سيطرت على عدد من القرى الحدودية، إلا أن ذلك لا يعني أنها أحكمت قبضتها الكاملة على الشريط الحدودي كما كان قبل العام 2000، موضحا أنّ المعارك لا تزال مستمرة في مناطق عدة، وأن السيطرة الكاملة لم تتحقق بعد بشكل نهائي.
وفي تقييمه للوضع العام، شدد على أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في العمليات العسكرية، بل في تداعيات الحرب على الداخل اللبناني، لا سيما مع تزايد أعداد النازحين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، ما يفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وحذّر نادر من تصاعد الخطاب التحريضي والطائفي في الشارع اللبناني، مشيرا إلى وجود خطابين متقابلين، أحدهما يقوم على التخوين، والآخر على الإقصاء. واعتبر أنّ هذا المناخ قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان وربما إلى مواجهات داخلية، إذا لم يصار إلى احتوائِه بسرعة.
وقال: المرحلة الحالية دقيقة وخطيرة، وتتطلب وعيا سياسيا واجتماعيا لتجنب الانزلاق نحو مزيد من التصعيد، آملا ألّا تتجه الأمور نحو الأسوأ.