في زيارة لافتة إلى بيروت، حمل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رسائل واضحة تعكس تحركا مصريا متقدما على خط الملف اللبناني، سواء من خلال الدعم السياسي والدبلوماسي أو عبر الانخراط في اتصالات إقليمية ودولية لخفض التصعيد. هذا الحضور المصري ليس جديدا بالكامل، إذ لطالما لعبت القاهرة أدوارا متفاوتة في لبنان، من الدعم السياسي إلى الانخراط في محطات مفصلية، وصولا إلى حضورها الإنساني المستمر منذ حرب العام 2006.
اليوم، ومع تصاعد الحرب وتزايد المخاوف من توسعها، يبدو أن مصر تحاول إعادة تثبيت موقعها كلاعب أساسي، مستفيدة من علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب تنسيقها مع فرنسا وأطراف إقليمية أخرى.
فهل نحن أمام دور مصري قادر فعليا على التأثير في مسار الأحداث في لبنان، أم أن هذا الدور يبقى محكوما بسقف التوازنات الدولية والتعقيدات الداخلية اللبنانية؟
في هذا الإطار، رأى مدير مكتب الأهرام السابق في لبنان الكاتب الصحفي ماهر مقلد أن مصر تنطلق في مقاربتها للملف اللبناني من سياسة ثابتة تقوم على دعم الدولة اللبنانية والشعب اللبناني، ورفض وجود أي سلطة داخل الدولة خارج إطارها الشرعي، مؤكدا أنّ الدور المصري ليس رمزيا على الإطلاق، بل هو دور محوري.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن القاهرة تقوم باتصالات حقيقية ومباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك مع إسرائيل، بحكم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين، في إطار السعي للمساعدة على وقف الحرب على لبنان، لافتا إلى أنّ مصر تواصل إرسال مساعدات إنسانية إلى لبنان. ولفت إلى أن هناك مستشفى ميدانيا مصريا موجودا في لبنان منذ حرب العام 2006، يقدّم خدماته الطبية لجميع المقيمين على الأراضي اللبنانية، من لبنانيين وغير لبنانيين.
واعتبر مقلد أنّ زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في هذا التوقيت تحمل دلالات كبيرة، وتعكس تحركا جديا من القاهرة تجاه لبنان، خصوصا في ظل انشغال عدد من الدول العربية، لا سيما دول الخليج والمملكة العربية السعودية، بحساباتها وأولوياتها الخاصة المرتبطة بالصراع مع إيران.
وأشار إلى أن التحرك المصري يشمل مختلف المسارات، ومنها المسار اللبناني لكنه يبقى مرتبطا بمدى استعداد الدولة اللبنانية للدخول في مسار جديد يختلف عما كان قائما في السنوات الماضية، في ظل العلاقة المعقدة والمتشابكة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، خصوصا بعد طرح مسألة نزع سلاح الحزب، وهو مطلب يصفه بأنه دولي ويتماشى مع منطق الدولة، معتبرا أنه لا يمكن لأي حزب سياسي في أي دولة في العالم أن يمتلك قدرات عسكرية ويتخذ قرار السلم والحرب خارج إطار الدولة. واستشهد بأحداث السابع من أيار في العام 2008، واجتياح هذا السلاح لبيروت عقب البدء بتشكيل المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وفي قراءته لتطورات المواجهة، رأى مقلد أن الحرب الأخيرة، على الرغم من وجود نوايا إسرائيلية مسبقة تجاه لبنان، إلا أنّ إطلاق حزب الله للصواريخ ثأرا لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي شكل ذريعة لإسرائيل لتوسيع هجماتها، ما أدى إلى نزوح أكثر من مليون لبناني، وتهجير قرى الجنوب، بما فيها قرى مسيحية، وهو أمر لم يكن متوقعا بهذا الشكل، مشيرا إلى أنّ شروط التفاوض تغيرت اليوم، بعدما كانت تتركز سابقا على قضايا مثل تحرير مزارع شبعا، لتصبح أكثر تعقيدا بعد التوسع الإسرائيلي ميدانيا، وإخلاء بعض القرى الجنوبية من سكانها، مستذكرا نكسة "1948".
وشدد على أن الدور المصري لا يمكن اعتباره مجرد وساطة، بل هو تحرك نابع من موقع مصر كدولة محورية، تستفيد من علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب موقعها الجغرافي والتاريخي، مشيرا إلى أن تحركها يأتي بالتنسيق مع أطراف دولية وإقليمية مثل فرنسا، الولايات المتحدة، تركيا وباكستان، بهدف وقف التصعيد في المنطقة، خصوصا في لبنان.
وفي ما يخص المبادرات الدولية، أوضح أنّ الطرح الفرنسي اصطدم بشروط إسرائيلية تتعلق بضرورة نزع سلاح حزب الله، وهو ما لم يلق قبولا داخليا في لبنان، نظرا لرفض الحزب لهذا الطرح. ورأى أن القرار المرتبط بالسلم والحرب لدى حزب الله يتأثر بشكل أساسي بإيران، معتبرا أن ما يشهده لبنان اليوم هو نتيجة لهذا الارتباط، وأن إيران تستخدم الساحة اللبنانية في إطار صراعها مع إسرائيل، ما أدى إلى إدخال لبنان في حروب متكررة ومدمرة على مدى السنوات الماضية.
وقال مقلد إنّ هذه الحروب المتكررة خلقت حالة من الضجر داخل المجتمع اللبناني، حيث تتطلع فئات واسعة إلى الاستقرار والتنمية وعودة الحياة الطبيعية، بعيدا عن الصراعات الإقليمية، موضحا أن لبنان بحجمه وتركيبته، لا يمكنه تحمّل هذا الكم من الصراعات، في ظل تعدد القوى والتدخلات الخارجية على أرضه.
وأكد أنّ مصر، على الرغم من تحركها، لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، بل تحترم خصوصياتها، وفي الحالة اللبنانية تسعى مصر إلى تقديم المساعدة قدر الإمكان، من دون أن تكون لها مصالح مباشرة أو أهداف نفوذ، بل انطلاقا من اعتبارات قومية وعلاقات تاريخية وثقافية ودينية تربطها بلبنان ومكوناته المختلفة. واستعاد موقف الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي دعا إلى رفع أيدي كلّ القوى عن لبنان، في رفض واضح لتحويله ساحة لتصفية الصراعات، خصوصا وأن لبنان لا يستطيع تحمّل هذا النوع من النزاعات.
وشدد على أن أي ولاء في لبنان يجب أن يكون للدولة اللبنانية، وأنه لا يمكن لحزب سياسي أن يمتلك امتدادات خارجية أو تحتضن دولا معينة، مهما كانت أيديولوجيته أو ارتباطه، مشيرا إلى أنّ لبنان يحتاج سنوات طويلة لتحقيق هذا التوازن، لكن الوضع الراهن صعب ويتطلب تدخلا دوليا عاجلا. وأكد أنّ التحركات المصرية من خلال الرئيس عبد الفتاح السيسي والاتصال بالأشقاء العرب والأطراف الدولية، قادرة على بلورة فكرة سريعة لوقف الحرب ومنع التصعيد، وأن تلتزم إسرائيل قدر الإمكان بالتعهدات الدولية بعيدا عن منطق القوة أو التوازن العسكري.
ورأى مقلد أنّ التوازن العسكري الحالي ليس في مصلحة حزب الله، الذي تعرض لاختراق معلوماتي من إسرائيل، ونجحت الأخيرة في اغتيال الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله وكل قيادات الصف الأول، إضافة إلى تنفيذ كارثة "البيجر"، وهي مأساة مروعة بكل ما تعني الكلمة. وقال، في ختام حديثه، إنّه ليس من المنطق أن يتمادى الحزب في توجيه الضربات لإسرائيل، لأن تأثيره داخل إسرائيل لا يقاس بما تسببه إسرائيل من دمار وقتل في لبنان، حيث تجاوز عدد الضحايا ال 1100.