في ظلّ التصعيد المتسارع والتطورات المتلاحقة في المنطقة، لم يعد المشهد محكومًا بقواعد واضحة أو بسقوف يمكن التنبؤ بها، بل دخل مرحلة من السيولة السياسية والعسكرية غير المسبوقة، حيث تتقاطع مصالح وأدوار أطراف عدة، من إيران إلى إسرائيل، وصولا إلى حزب الله، ضمن صراع يتجاوز الجغرافيا المباشرة إلى حسابات أوسع تتصل بتوازنات إقليمية ودولية.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أنّ هذا التصعيد لا يحصل ضمن إطار مواجهة تقليدية يمكن احتواؤها أو ضبط إيقاعها، بل ضمن مسار مفتوح على احتمالات عدّة، ما يجعل أي تقدير للمسار المقبل عرضة للخطأ. فهل نحن أمام مواجهة محدودة ذات أهداف تكتيكية، أم أمام مسار تصعيدي قد يفرض واقعا جديدا في المنطقة؟
في هذا السياق، أشار الصحافي جورج شاهين إلى أنّه في ظل هذا الواقع، لا يمكن توقّع ما قد يحدث بعد دقيقة أو بعد ساعة، فكل شيء وارد، لافتا إلى أنّه كان من الواضح أنّ إسرائيل تدرّجت في ردّها على مشاركة حزب الله في المعركة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن ما حصل في لبنان، وما انتهى إليه وضع حزب الله بعد حرب الإسناد، يؤكد أنّ إسرائيل لم تكن لتتجرأ على ضرب إيران قبل أن تضرب حزب الله في لبنان. فالحزب هو حصيلة 44 عاما من الدعم الإيراني، الذي يقدر بنحو 40 مليار دولار، لذلك لم أستغرب ما حصل في الحرب الأخيرة، كما لم أتفاجأ، على الرغم من كل الضمانات التي قدمها بعض قياديي الحزب لكل من رَئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
أضاف شاهين: لم أكن مقتنعا أنّ حزب الله لن يردّ في هذه الحرب دعما لإيران، لأن هذه المواجهة هي في جوهرها الحرب التي وُجد من أجلها الحزب، حتى لو جاءت بعد أربعين عاما. فعندما انتقلت المعركة إلى داخل الأراضي الإيرانية، واستهدفت بنية النظام بشكل مباشر، من قمة الهرم أي علي خامنئي إلى أدنى المستويات القيادية، تغيّر المشهد بالكامل.
ولفت إلى أنه عندما اغتيل الأمين العام الأسبق لحزب الله حسن نصر الله، لم يكن الردّ بمستوى الحدث، لا على الساحة اللبنانية ولا الإقليمية، أما عندما وصل الاستهداف إلى المرشد، فهنا اختلف الوضع، موضحا أنّ حصل كشف حجم الاختراق الإسرائيلي داخل إيران، حيث بلغ مستويات غير مسبوقة طالت بنية النظام نفسه، وتجلّى ذلك في سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات عسكرية وأمنية منذ اللحظة الأولى، مع اعتراف الإيرانيين بسقوط نحو 40 قائدا.
وشدد شاهين على أن حزب الله وُجد لهذه المعادلة، لذلك، أيا تكن الظروف أو الطروحات اللبنانية، لن تؤدي إلى وقف الحرب التي أعطى الحزب شرارتها بصواريخ 2 آذار، وبالتالي تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، مشيرا إلى أنّ الاختراق الإسرائيلي بلغ مستويات عالية في طهران، وهو أيضا عميق داخل بنية الحزب.
ولفت إلى أنّه، بناء على كل هذه الأمور، يسخر البعض من الاتهامات التي تُوجه إلى مؤسسات إعلامية أو أفراد بأنهم يدلّون إسرائيل على الأهداف، إذ إنّ ما استهدفته إسرائيل من مواقع وما اغتالته من شخصيات شمل أسماء غير معروفة حتى لدى عدد من عناصر حزب الله، وليس فقط لدى اللبنانيين.
وأشار شاهين إلى أنّ عمليات إسرائيل الميدانية تبدو حتى الآن محدودة وليست اجتياحا واسعا، وهدفها توسيع المنطقة الأمنية عبر توسيع الشريط الحدودي لمسافة تتراوح بين كيلومترين وثلاثة، بحيث تتحول هذه المناطق غير صالحة للسكن، معتبرا أنّ المخاطر تبقى قائمة، خصوصا إذا اتجهت إسرائيل نحو السيطرة على القطاع الشرقي، ما قد يفتح الباب أمام مشاريع جيوسياسية حساسة، مثل ربط مناطق السويداء بجبل الشيخ ووادي التيم، وهو سيناريو خطير.
وقال: في حال وجود نية لإعادة رسم خرائط المنطقة والتلاعب بحدود اتفاقية سايكس بيكو، قد يُطرح احتمال قيام دولة درزية، وهو أمر له جذور تاريخية، وإن كان مستبعدا في الوقت الراهن.
أما في ما يتعلق بالأخبار المتداولة عن تشجيع أميركي لسوريا للدخول إلى لبنان، فحذر شاهين، في ختام حديثه، من هذه السيناريوهات، لافتا إلى أن الكثير منها يرسم لخدمة توجهات محددة، وقد يُستخدم لتبرير استمرار سلاح حزب الله أو لخدمة أجندات سياسية معينة.
وسط هذا التعقيد والتداخل بين المسارات العسكرية والسياسية، يبقى المشهد مفتوحا على كل الاحتمالات، من التصعيد المحدود إلى الانفجار الأوسع. وبين تعدد القراءات وكثرة السيناريوهات، تبرز حقيقة واحدة: غياب اليقين. فمع تسارع الأحداث وتبدّل المعطيات بشكل لحظي، تصبح القدرة على التوقع شبه معدومة.