انطلقت المبادرات الخيرية في لبنان، كعادتها، منذ بدء التصعيد الإسرائيلي وتزايد موجات النزوح الكثيفة، في محاولة لاحتواء التداعيات الإنسانية المتسارعة. إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، اصطدمت بواقع ميداني يتسم بالعشوائية وغياب التنسيق، حيث برزت مظاهر هدر واضحة في توزيع المساعدات، من أطعمة تُرمى على الطرقات إلى تكرار المبادرات في مناطق محددة مقابل إهمال مناطق أخرى.
ومع تعدّد الجهات المنخرطة في العمل الإغاثي، بين جمعيات ومبادرات فردية، يبرز غياب خطة واضحة أو مرجعية موحّدة تنسّق هذا الجهد، في ظل تساؤلات حول دور وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية والبلديات في تنظيم هذا الملف، خصوصًا مع غياب قواعد بيانات دقيقة وخطط طوارئ مُسبقة.
فهل تكمن المشكلة اليوم في غياب التنسيق بين الجهات المعنية، أم في غياب خطة طوارئ موحّدة قادرة على تنظيم توزيع المساعدات ومنع هذا الهدر والفوضى؟
في هذا الإطار، أكدت الناشطة الاجتماعية والسياسية ورئيسة جمعية "شبابيك" فاتن زين أنّ عملية توزيع المساعدات في لبنان تحصل اليوم بشكل عشوائي، نتيجة كثرة المبادرات الفردية غير المنسّقة وغير الخاضعة لأي رقابة، ما يؤدي إلى تكرار التوزيع في مناطق محدّدة مقابل إهمال مناطق أخرى، موضحة أنّ معظم المبادرات تتركز في نقاط معروفة، بينما تبقى مناطق أخرى غير مغطّاة، ما يترك فجوة واضحة في تغطية إحتياجات الناس على الأرض.
وشددت عَبرَ مِنصة "بالعربي" على أنّ غياب التنسيق بين الجهات المعنية، من وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية والبلديات إلى الجمعيات، وعدم وجود قاعدة بيانات موحة أو خطة واضحة لتوزيع المساعدات، ينعكس هدرا كبيرا في مختلف المواد، ليس فقط الغذائية، بل أيضًا حليب الأطفال والأدوية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
ولفتت زين إلى أن بلدية بيروت تغيب بشكلٍ شبه كامل عن إدارة الملف، سواء على مستوى تنظيم التوزيع أو معالجة تداعيات الأزمة على الأرض، مؤكّدة أنّ دور غرفة الطوارئ اليوم أقلّ فعالية مقارنة بما كان عليه الوضع بعد انفجار المرفأ. وقالت إنّ غياب خطة طوارئ مسبقة، على الرغم من معرفتهم بتكرار الأزمات، يعيد البلاد في كل مرة إلى نقطة الصفر، في ظل عدم وجود نظام واضح لتقسيم المناطق أو تحديد الاحتياجات.
وحذّرت من مخاطر المبادرات الفردية غير المنظّمة، إذ قد تؤثر على جودة وسلامة المساعدات، وتفتح الباب أمام مخاطر صحية على المستفيدين، خصوصًا مع غياب أي جهة رقابية أو محاسبة فعلية، مشيرة إلى أنّ بعض الجمعيات وحتى بعض النواب يستغلون التمويلات لأغراض سياسية أو لتسليط الضوء على اسمهم، ما يزيد من الفوضى ويعيق أي نظام توزيع واضح.
وأكّدت زين أنّ الحل الجذري يكمن في اعتماد نظام موحّد لتوزيع المساعدات، يقوم على قاعدة بيانات واضحة، وتقسيم جغرافي للمناطق بإشراف البلديات، بما يضمن عدالة التوزيع ويقلل من الهدر، مشدّدة على أنّ الجمعيات وحدها لا يمكنها فرض هذا التنظيم في غياب دور الدولة. وقالت إنّ كل مبادرة يجب أن تنسّق ضمن خطة واضحة، مع تحديد الاحتياجات لكل أسرة أو منطقة، لضمان وصول الدعم بشكل عادل وفعّال.
وأكدت أنّ المشكلة لا تكمن في نقص المبادرات، بل في غياب الإدارة والتنظيم، داعيةً إلى تنسيق فعلي بين الجهات الرسمية والجمعيات، ضمن خطة شفافة وواضحة تحدد المسؤوليات وتمنع الهدر، مع التركيز على تقديم الدعم للمستحقين، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو شخصية، لضمان كرامة الإنسان اللبناني في كل أزمات الإغاثة. وشددت على أنّ الإغاثة ليست "عملا عشوائيّا" بل هي "مسؤوليّة".