يثير الحديث عن تحركات عسكرية سورية قرب الحدود مع لبنان تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد ينزلق إلى الوحول اللبنانية عبر إدخال قواته إلى منطقة البقاع، وذلك على الرغم من التطمينات التي أبداها خلال اتصالات قام بها مع عدد من المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية جوزاف عون.
وتترافق هذه التساؤلات مع تقارير إعلامية تتكرر بين الحين والآخر وتتحدث عن حشود عسكرية على الجانب السوري واحتمال حصول تدخل داخل الأراضي اللبنانية، لا سيما بعد إعلان دمشق أخيرا سقوط قذائف في محيط بلدة سرغايا السورية، قالت إن مصدرها مواقع لحزب الله في البقاع.
فهل تعكس هذه المعطيات استعدادا عسكريا فعليا، أم إنها تدخل في إطار الرسائل السياسية والتصعيد الإعلامي؟
في قراءة للوضع عند الحدود الشرقية، اعتبر العميد المتقاعد جورج نادر أن ما يتداول في هذا السياق يندرج في إطار المبالغات الإعلامية، مؤكداً أن الوضع الداخلي السوري لا يسمح أساساً للسلطات في دمشق بالقيام بعملية عسكرية خارج حدودها.
وقال عبر منصة "بالعربي" إن سوريا تعاني حالياً من مجموعة أزمات داخلية معقدة، مشيراً إلى وجود مشاكل في مناطق عدة، منها مناطق الأكراد، الساحل السوري والسويداء، إضافةً إلى التهديد المستمر من تنظيم داعش. ولفت إلى أن دولةً تواجه هذا الكم من التحديات الداخلية يصعب عليها التفكير في التدخل عسكرياً داخل دولة أخرى.
واعتبر نادر أن الجيش السوري الحالي ليس بالقوة التي كان عليها سابقاً، موضحاً أن الجيش في عهد الرئيس السابق بشار الأسد كان يبلغ نحو 600 ألف عنصرٍ، في حين أن التقديرات الحالية تشير إلى أن عدد عناصر الجيش الجديد يتراوح بين 100 - 150 ألفاً فقط.
وأوضح أن الجزء الأكبر من التشكيلات العسكرية الموجودة اليوم يتكون من عناصر كانت تنتمي في السابق إلى فصائل وميليشيات شاركت في الحرب السورية، ودُمج بعضها ضمن البنية العسكرية الجديدة، الأمر الذي يجعل هذا الجيش غير قادر حتى الآن على فرض سيطرة كاملة داخل الأراضي السورية نفسها، فكيف له أن يتجه إلى تدخل عسكري خارج حدوده.
وفي ما يتعلق بالحشود التي يقال إنها موجودة على الحدود السورية - اللبنانية، أكد نادر أن انتشار الوحدات السورية في تلك المنطقة أمر طبيعي في ظل الظروف الأمنية القائمة، موضحاً أن الهدف الأساسي هو ضبط الحدود ومنع أي تسلل أو احتكاك يمكن أن يؤدي إلى إشكاليات أمنية، خصوصاً مع التخوف من حصول تحركات أو تدخلات من عناصر تابعة لحزب الله قد تؤدي إلى توتر ميداني.
واعتبر أن تضخيم هذه المسألة يدخل في إطار ما وصفه بالبروباغندا الإعلامية التي تتكرر بين الحين والآخر، ويُلوَّح خلالها باحتمال دخول قوات سورية إلى لبنان، في محاولة لإثارة المخاوف لدى الرأي العام اللبناني.
كما شدد نادر على أن أي تدخل عسكري سوري داخل لبنان يحتاج إلى غطاء وقرار دولي واضح، مؤكداً أنه لا يرى وجود مثل هذا القرار في الوقت الراهن، الأمر الذي يجعل الحديث عن عملية عسكرية سورية داخل الأراضي اللبنانية غير واقعي.
وأبدى استغرابه من بعض الأصوات في الداخل اللبناني التي تطرح أو تتحدث وكأنها ترحب بتدخل خارجي، معتبراً أن مثل هذه المواقف تتناقض مع مبدأ السيادة الوطنية، في وقت يعاني فيه لبنان أساساً من ظاهرة الاستقواء بالخارج.
وقال إن المشكلة الأساسية التي يجب التركيز عليها اليوم ليست هذه الروايات عن الحشود، بل الحرب الإسرائيلية الدائرة ضد لبنان وما نتج عنها من تداعيات خطيرة.
وأضاف نادر أن الحرب جاءت نتيجة تدخل حزب الله المباشر، مؤكداً في الوقت نفسه أن إسرائيل ليست بريئة مما يحصل، بل هي طرف مسؤول عن أعمال إجرامية بحق لبنان، على حد تعبيره.
وأكد أن ما يتداول حول حشود سورية على الحدود الشرقية لا يتعدى كونه حملة إعلامية تهدف إلى التخويف وصرف الانتباه عن القضايا الأساسية التي يواجهها لبنان في هذه المرحلة خصوصاً تصرفات حزب الله.