تتجه الأنظار في المرحلة الراهنة إلى مصير الوزراء الشيعة في الحكومة، في ظل القرار الأخير الذي اتخذته بحظر النشاطات العسكرية والأَمنِيَة للحزب، وما يرافق ذلك من تطورات سياسية وأَمنِيَة مُتَسَارِعَة.
ويزداد هذا السؤال إِلحَاحًا مَعَ تَصَاعُدِ الضغوط التي يتعرض لها الحزب، لا سيما في ظل الحصار المُتَنَامِي الذي يُطَاوِلُ مؤسساتِه المالية على المستويين الخارجي والداخلي، الأَمر الذي يفتح باب النقاش حول موقع ممثليه داخل السلطة التنفيذية واحتمالات بقائهم أَو خروجهم مِنهَا.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتجه فيه البلاد عَمَلِيًا نحو التمديد لمجلس النواب، بعد استبعاد أَي إِمكانِيَة لحصولِ الاستحقاق النيابي في موعده، وهو ما يعني تَلقَائِيًا تمديد عمر الحكومة الحالية واستمرار تركيبتها السياسية لفترة إِضَافِيَة ومع بقاء الحكومة في موقعها، يبرز التساؤل حول المسارات الدستورية والقانونية الممكنة للتعامل مع وضع الوزراء المعنيين.
وبحسب القواعد الدستورية المرعية، لا يملك أَي طرف صلاحية إِقَالَة الوزراء بشكل مباشر، إِذ يَبقَى الخيار القانوني المُتَاح هو انتظار تقديم استقالتهم من تلقاء أَنفسهم. وفي المقابل، يُتَدَاوَل في الأَوسَاط السياسية والنيابية باحتمال توجه عدد من النواب إلى طرح مسألة الثقة بهؤلاء الوزراء داخل المجلس النيابي، عبر تقديم اقتراحٍ يقضي بمناقشة استمرارهم في مناصبهم وإِمكَانِ حجب الثقة عنهم، ما يفتح الباب أَمَامَ مواجهة سياسية ودستورية داخل البرلمان في المرحلة المقبلة.
في هذا الإِطَار، قَالَ الصحافي آلان سركيس إن مسألة استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة غير مطروحة في الوقت الراهن، مُشِيرًا إلى أَنَ هؤلاء الوزراء لن يقدموا استقالاتهم إِلَا في حال صدر قرار سياسي واضح يقضي بخروجهم الكامل من مجلس الوزراء.
وأَوضَحَ عَبرَ مِنصة "بالعربي" أَنَ مثل هذا القرار غير مُتَوَافِر حَالِيًا، لِأَنَ القوى السياسية التي يمثلها الوزراء الشيعة تسعى إلى الحفاظ على موطئ قدم داخل السلطة التنفيذية، لا سيما بعد التراجع الذي شهدته في بعض المواقع السياسية في خلال المرحلة الأَخيرَة.
وقَالَ سركيس إِنَ كُلًا من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لا يرغبان في فتحِ أَزمَةٍ سياسية جديدة دَاخِلَ البلاد في ظل ظروف الحرب والتوترات القائمة، مُعتَبِرًا أَنَ الظروف الحالية لا تسمح بالدخول في نزاعات حكومية إِضَافِيَة قد تؤدي إلى تعقيد المشهد الداخلي. وشَدَدَ على أَنَ الأَولَوِيَة تَبقَى للحفاظ على الحَدِ الأَدنَى مِنَ الاستقرار السياسي والمؤسساتي في هذه المرحلة الحساسة.
وفي هذا السياق، أَكَدَ أَنَهُ لا يتوقع حصول أَي تغيير حكومي قريب، سواء على مستوى الحكومة ككل أَو في ما يتعلق بحصة الوزراء الشيعة تَحديدًا، مُشيرًا إلى أَنَ أَي تَعدِيل في تركيبة الحكومة لا يمكن أَن يَحصَل بصورة عشوائية، مُوضِحًا أَنَ استبدال الوزراء الشيعة المحسوبين على حزب الله وحركة أمل بشخصيات شيعية معارضة ليس أَمرًا واقِعِيًا في الظروف الحالية، لِأَنَ مثل هذا القرار يحتاج إلى توازنات سياسية دقيقة على الأرض وفي المؤسسات الدستورية.
وأَوضَحَ سركيس أَنَ أَي تغيير حكومي في لبنان يخضع أَسَاسًا لموازين القوى السياسية القائمة، سواء داخل البرلمان أَو على مستوى النفوذ السياسي على الأَرض. لذلك، فإِنَ الحديث عن تعديل حكومي، أَو تغيير في التمثيل الطائفي أَو السِيَاسِي يَبقَى مُرتَبِطًا بهذه الموازين، ولا يمكن أَن يحصل بمعزل عنها.
كَمَا استَبعَدَ طَرح الثقة بالوزراء الشيعة دَاخِلَ مجلس النواب في المرحلة الحالية، مُشِيرًا إلى أَنَ المجلس لا يجتمع أَسَاسًا بشكل يسمح بطرح مثل هذه المبادرات.
وقَالَ سركيس إِنَ تقديم اقتراح لسحب الثقة يتطلب آلية دستورية واجتماعًا للمجلس، وهو أَمرٌ غير متوافر حَالِيًا، فَضلًا عن أَنَ رئيس المجلس نبيه بري هو من يملك صلاحية الدعوة إلى عَقدِ الجَلَسَات، ما يجعل هذا السيناريو مُستَبعَدًا في الظروف الرَاهِنَة.
ورَأَى أَنَ بعض الطروحات التي تُتَدَاوَل في النقاش السياسي قد تكون أَقرَب إلى التعبير السياسي أَو الإِعلَامِي مَنهَا إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
وقَالَ إِنَ الواقع السياسي اللبناني لا يزال مَحكُومًا بتوازنات مُعَقَدَة تجعل أَي خطوة من هذا النوع بحاجة إلى توافقات واسعة يصعب تحقيقها في الوقت الحالي.
وفي ما يتعلق بالتصريحات الأَخِيرَة الصادرة عن وزير الخارجية القبرصي، اعتبر سركيس أَنَ التطورات تُشِيرُ إلى أَنَ حزب الله بدأ منذ بداية الحرب المرتبطة بايران في لعب دور محفوف بالمخاطر على الساحة الاقليمية، لافِتًا إلى أَنَ إِرسال مُسَيَرَات باتجاه قبرص يُشَكِلُ تَطَوُرًا خَطِيرًا. وأَكَدَ أَنَ قبرص لن تبقى صامتة حيال مثل هذه التطورات، خُصوصًا وأَنَهَا عضو في الاتحاد الأوروبي.
ورأَى أَنَ هذه الخطوات تفتح على لبنان أَبواب توتر إِضَافِيَة مَعَ أَطرافٍ دولية وإِقليمية عِدَة، من بينها إسرائيل والولايات المتحدة، فَضلًا عن انعكاساتها على الساحة السورية، مُوضِحًا أَنَ المناخ العربي والدولي بات أَكثَر وُضُوحًا في ما يتعلق بالنظر إلى خطر حزب الله والنظام الإِيرانِي. وأَشَارَ إلى أَنَ الصراع الإِقليمي لم يصل بعد إلى نِهَايَتِه.
وعَبَرَ سركيس عَن قَلَقِهِ على المرافق الحيوية اللبنانية المدنية وتلك التابعة للدولة، مُعتَبِرًا أَنَ لبنان يواجه تحديات كبيرة في ظل تصاعد التوترات الاقليمية. وأَشَارَ إلى أَنَ إسرائيل تتحرك بدعم واضح من الولايات المتحدة، في وقت تبدو فيه الدولة اللبنانية عاجزة عن اتخاذ خطوات فعالة لتحسين موقعها، إِذ تبقى القرارات الرسمية في كثير مِنَ الأَحيان حِبرًا على ورق مِن دُونِ تَنفيذِ فِعلِي.