March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

الحكومة أمام امتحان: إِمّا أن تُكرم أو يحدث ما لا يحمد عقباه

وَضَعَ قَرارُ الحكومة الأخير بزيادة الضرائب ورفع سعر صفيحة البنزين المواطن اللبناني تحت وطأةٍ جديدة من الأعباء المالية، بينما لا تزال الإصلاحات الحقيقية غائبة. فملفاتٌ أساسية مثل أموال المودعين لم تُحل، خطة الفجوة المالية لم تُنفّذ بعد وهيكلة القطاع العام التي كان من المفترض أن تحدّ من الهدر وتحسّن الإنتاجية لا تَزَال حبرًا على ورق.

هذا الواقع أثار قلق المؤسسات الدولية، خصوصًا صندوق النقد الدولي، الذي يُشيرُ إلى ضعف قدرة الحكومة على تحقيق أي أثرٍ اقتصادي ملموس ويطرح علامات استفهام ٍحول استمرارية السياسات المالية مِن دُونِ إصلاحاتٍ جوهرية. في الوقت نفسه، يرفض القطاع العام بعض هذه القرارات ويهدّد بالتصعيد، ما يزيد من صعوبة إدارة الأزمة.

في ظلِّ هذا المشهد، يتضح أنّ الحكومة تواجه اختبارًا حقيقيًا: فهل ستستطيع تقديم حلولٍ اقتصادية عاجلة وواقعية تُخرج البلاد من دوامة السياسات المالية الجزئية أم أنّها ستكرر سيناريو سلسلة الرتب والرواتب، الذي لا يَزَال المواطن يدفع ثَمَنَهُ حتى اليوم؟

في قراءة لهذا الواقع، أكّد الوزير السابق للإقتصاد وعضو المكتب السياسي في حزب الكتائب البروفسور آلان حكيم أنّ الحكومة اللبنانية لم تتّخذ أي خطوات إصلاحية حقيقية على الرَّغمِ مِن إصدارها قرارات مالية جديدة، مُوضِحًا أَنَّ ملفات مثل أموال المودعين لا تزال عالقة وخطة الفجوة المالية لم تُنفّذ بعد، في حين أنّ هيكلة القطاع العام التي كان من المفترض أن تحدّ من الهدر وتحسّن الإنتاجية لا تَزَال مُجَرَّد حبر على ورق. وتكمن إعادة هيكلة القطاع العام بتنظيم الفئات الثلاث: فئة العاملين المنتجين الذين نحن بحاجة إليهم، فئة غير الفعالين الذين يتقاضون رواتبهم مِن دُونِ إنتاجية وفئة المسجلين في ملاك الدولة وهم لا يداومون.


وأَشَارَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ الإجراءات الجزئية تُحمّل المواطن وحده العبء الأكبر، لافِتًا إلى أنّ المواطن خسر نحو 35% من مدخوله وقوّته الشرائية نتيجة غياب أي دراسة تأثير مالي مسبقة على هذه القرارات. واعتبر أنّ الخطوة الأولى لإنعاش الاقتصاد تبدأ بعكس المعادلة الحالية: "الإصلاح قبل الجباية"، مشدّدًا على ضرورة استكمال خطة الفجوة المالية لحماية صغار المودعين وتوزيع الخسائر بشكلٍ عادل بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان، ما يعزّز الثقة بالاقتصاد اللبناني.


وبَيَّنَ حَكيم أَنَّ إِعادة هيكلة القطاع العام ضرورة عاجلة، تشمل وقف الهدر، رقمنة الإدارة، إلغاء المؤسسات غير المنتجة وترشيد التعويضات، مع ربط الإيرادات بالنمو الاقتصادي وليس بالضرائب فقط، فرض ضرائب تصاعدية على الاحتكارا، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي الذي يكلف الدولة مليارات سنويًا، دَاعِيًا إلى تحرير القطاعات المنتجة مثل الكهرباء والاتصالات عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص وتحفيز الزراعة، الصناعة، التكنولوجيا والسياحة كركائز أساسية للنمو الاقتصادي.


وأَوضَحَ أَنَّ إنشاءَ صُندُوقِ سيادي لإدارةِ أُصُولِ الدولة، بما فيها جزء من الذهب الموجود في مصرف لبنان، يمكن أن يوفر إيرادات مستدامة تساعد في تمويل الدولة وإعادة ودائع الناس، مع تخصيص دعم مباشر للأسر الأكثر حاجة، بعيدًا عن السياسات العشوائية التي تؤدي إلى تضخم وانهيار مالي كما حدث سابقًا مع سلسلة الرتب والرواتب.


ولَفَت حكيم إلى أَنَّ معالجة السلاح غير الشرعي تُعد جزءًا لا يتجزأ من إعادة الثقة بالاقتصاد واستقرار الدولة، مُشدّدًا على أنّ استكمال حصر هذا السلاح يُعيد للدولة سيادتها ويضعها في موقع قوة أمام المجتمع الدولي، كما يضمن قدرة الحكومة على تنفيذ أي برنامج إصلاحي أو مالي بشكل فعّال. فغياب هذه الخطوة، بحسب رَأيِه، يُبقي لبنان عرضةً لضغوطٍ داخلية وخارجية ويزيد من صعوبة فرض أي إصلاح حقيقي على أرض الواقع.


وقَالَ: الحكومة بحاجة إلى برنامج إصلاحي واضح وملزم، مع مهلة زمنية محددة وقصيرة للتنفيذ، عَبرَ وَضعِ قوانين مكافحة الفساد، ضمان المحاسبة وأيضًا توحيد التداول بالعملات وإنهاء ما يسمى بالإقتصاد الموازي، ليكون المعيار لنجاحها بالقدرة على إدارة الأزمة المالية، وليس مجرد بقائها في السلطة وإذا لم تنجح في بذلك فالأفضل تنحّيها. وإذا فشلت هذه الخطوات، يجب التفكير في حكومة جديدة، الحكومة الحقيقية للعهد، بصلاحيات استثنائية محددة زمنيًا، تكون مسؤولة عن قيادة الإصلاح المالي بعيدًا عن التجاذبات السياسية، مع وضع رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني على ركائز الإنتاج، الثقة والاستثمَار.

الحكومة أمام امتحان: إِمّا أن تُكرم أو يحدث ما لا يحمد عقباه
الحكومة أمام امتحان: إِمّا أن تُكرم أو يحدث ما لا يحمد عقباه - 1