على الرَّغمِ مِن مُرورِ أكثر من سنة على إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، لا يزال الالتزام بالاتفاق محدودًا على الأرض. فالخروقات والاعتداءات الإسرائيلية اليومية مُستَمِرَّة، فيما تقع الدولة اللبنانية بين خياراتٍ صعبة في ظلِّ عدم قدرتها على بسط سيادتها الكاملة أو ممارسة سلطتها الحصرية في ملف سلاح الحزب، ما يحوّل هذا الاستحقاق إلى حلقةٍ مفرغة لا تنتهي.
ومع تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن بقاء القوات الإسرائيلية في "النقاط الخمس" داخل جنوب لبنان لم يكن جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار وأن إسرائيل لن تنسحب ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه، تجد الدولة نفسها أمام تحديات إضافية تُعقّد مسار التنفيذ وتضعها تحت ضغط داخلي وخارجي متزايد.
وبين استمرار الاعتداءات من جهة وتعثر حصر السلاح من جهة أخرى، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات عدة، في ظلِّ غياب ضماناتٍ واضحة لانسحاب إسرائيل أو آليةِ تنفيذٍ حاسمة لبنود الاتفاق.
فهل تملك الدولة اللبنانية اليوم القدرة والإرادة لكسر هذه الدوامة وفرض معادلة تعيد إليها زمام المبادرة والسيادة على كامل أراضيها؟
في هذا الإطار أكّد الصحافي والمحلّل السياسي آلان سركيس أنّ إعلان وقف إطلاق النار لم ينعكس التزامًا فعليًا على الأرض، مشيرًا إلى أنّ هناك بنودًا في الاتفاق لم تُعلن للرأي العام، على الرَّغمِ مِن أَنَّ حكومة نجيب ميقاتي آنذاك وقّعت عليه وأقرّه مجلس الوزراء. وتساءل عن طبيعة الالتزامات التي وافق عليها لبنان وما إذا كان هناك أي تعهّد يتعلّق بالتخلي عن النقاط الخمس التي لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة فيها.
ورَأَى عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّهُ لا يمكن توقّع انسحاب إسرائيلي من هذه النقاط قبل التوصل إلى حلّ شامل لمسألة سلاح حزب الله وتسليمه كاملًا إلى الدولة اللبنانية، بما يسمح لها ببسط سيادتها على كامل الأراضي، مُعتَبِرًا أَنَّ إسرائيل ترى النقاط الخمس مثل "مسمار جحا"، تتعامل معها كذريعة وورقة ضغط سياسية وأمنية ولَن تتخلى عنها قبل الوصول إلى تسوية سياسية، أمنية وعسكرية متكاملة.
وفي ما يتعلق بمخاوف الضمّ، أشار سركيس إلى أنّ التجارب التاريخية مُنذُ العَام 1967 مرورًا باجتياحي 1978 و1982 وصولًا إلى الانسحاب في العَام 2000، تُظهِرُ أَنَّ إسرائيل لم تتجه إلى زرع مستوطنات في الأراضي اللبنانية، معتبرًا أنّ المسألة اليوم ليست مشروع ضمّ، بل استخدام هذه المواقع كورقة ضغط لدفع الدولة اللبنانية إلى تحمّل مسؤولياتها، حصر السلاح وتوفير تطمينات أمنية للمستوطنين في الجانب الإسرائيلي.
وشدّد على أنّ لبنان مُطَالَبٌ بالتَحَرُّك على خطّين متوازيين: تسريع خطة حصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وليس فقط جنوب الليطاني، وتكثيف الاتصالات الدولية لضمان عدم تثبيت هذا الأمر الواقع، مُوضِحًا أَنَّ أي خطة لا تشمل كل الأراضي اللبنانية لن تكون كافية، إذ إن الإسرائيليين كما قال يريدون أفعالًا واضحة على الأرض ويرفضون بقاء سلاح يشكّل تهديدًا مباشرًا لهم أو ورقة بيد إيران. واعتَبَر أَنَّ مَا يَحصل في الجنوب يتجاوز كونه مواجهة لبنانية إسرائيلية ليأخذ أبعادًا إقليمية مرتبطة بالصراع الإيراني – الإسرائيلِيّ.
ولَفَت سركيس إلى أَنَّ الخطوات التي اتخذتها الدولة اللبنانية، على أهميتها، لا تزال في نظر الإسرائيليين والأميركيين غير كافية، مُستَشهِدًا باعتراض إسرائيل حتى بعد إعلان الجيش اللبناني استكمال خطة حصر السلاح جنوب الليطاني وبالمهل الزمنية الموضوعة من قبل الدولة لتسليم السلاح في شمال الليطاني، والتي قد تتيح نقل السلاح إلى مناطق أخرى.
أما في ما يتعلق بالضمانات، فَرَأَى أَنَّ إِسرائِيل لَن تُقَدِّم أي التزام بالانسحاب في المرحلة الحالية، مُشدِّدًا على أنّ الجهة الوحيدة القادرة على توفير ضمانات حقيقية هي الولايات المتحدة الأميركية. وأوضح أنّ لبنان لن يكون في موقع يسمح له بانتزاع هذه الضمانات قبل استكمال حصر السلاح بالكامل، لِأَنَّ الدستور يَنُصُّ على أَنَّ السلاح يجب أن يكون حَصرِيًّا بِيَدِ الشَّرعِيَّة.
وفي ملف الاستهدافات اليومية، اعتَبَرَ سركيس أَنَّهَا تَطَالُ قياديين وكوادر في حِزبِ الله، مُشيرًا إلى أَنَّ هناك تناقضًا بين إعلان الحزب الالتزام بالقرار 1701 واتفاق الهدنة وبين استمرار تحركاته العسكرية. وأكد أنّ الدولة اللبنانية غير قادرة على منع هذه الاستهدافات طَالَمَا أنّ القرار الأمني ليس بيدها بالكامل، مُشَدِّدًا على أَنَّ أَيّ تصعيد واسع لن يُمنع إلّا إذا أعلن الحزب تسليم سلاحه للدولة.
وحَذَّرَ مِن أَنَّ دُخُول الحزب في مواجهة أوسع تحت عنوان إسناد إيران قَد يَفتَحُ البَابَ أَمَامَ سيناريو كارثي، في ظِلِّ عَجزِ الدَّولَة عَن رَدعِه.
وفي خِتامِ حَديثِه، قَالَ سَركيس: لبنان سيبقى في دوامة "من يبدأ أولًا: الانسحاب أَم تسليم السلاح"، إلى حينِ حُصولِ تَسوِيَةٍ سِيَاسِيَّةٍ وأَمنِيَّةٍ أَوسَع تُتِيحُ للدولة استعادة قرارها السيادي الكامل.