في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا يعود اللبنانيون إلى "تاريخٍ مضى" بقدر ما يعودون إلى لحظةٍ غيّرت وجدان البلاد إلى الأبد. لحظةٌ انكسر فيها الإيقاع الطبيعي للحياة، تقدّم الخوف على الكلام، الصمت على الحقيقة، وبات السؤال أكبر من حدثٍ أمني: ماذا اغتيل يوم 14 شباط؟ رجلٌ أم فكرة وطن؟
في حلقةٍ خاصة من برنامج "رفيق الحريري… حكاية وطن" عبر مِنصّة "بالعربي" مع الإعلامي ربيع ياسين، حلّ الإعلامي مارسيل غانم ضيفًا، شاهدًا على مرحلةٍ كانت السياسة فيها تُكتب تحت التهديد والإعلام يُختبر يوميًا بين المهنية والنجاة. حلقةٌ لا تبحث عن الحنين، بل عن تلك السنوات التي كان فيها الكلام قرارًا، الاصطفاف موقفًا والاقتراب من الحقيقة مخاطرة.
منذ الدقائق الأولى، بدا غانم واضحًا في توصيفه: رفيق الحريري، برأيه، لم يأخذ حقّه مهما قيل عنه وأنّ الأجيال الصاعدة بحاجةٍ دائمة إلى "التعلّم من كتاب رفيق الحريري"، مُوضِحًا أَنَّ موافقته السريعة على المشاركة لم تأتِ فقط بدافع الوفاء، بل لأنّ الحريري – كما قال – كان "ظاهرة" عابرة للطوائف، المناطق والأيديولوجيات، وبأنّ هاجسه في سنواته الأخيرة تحوّل من الإعمار إلى السيادة، وأَصبَحَت أولوية "لبنان الحر" تتقدّم على كل شيء.
استعاد غانم بدايات معرفته بالحريري، قائلًا إن صورة الرجل في الإعلام يومها كانت تُقدَّم على نحوٍ يُخيف: "لا يحب الصحافة"، "لا يحب النقد" و"يشتري الناس بماله". وقد كان غانم، بحسب روايته، من المنتقدين الذين بنوا موقفهم على تلك الانطباعات، قبل أن تتبدّل الصورة في أول لقاءٍ جدي بعد مناسبة عزاء في منزل الحريري.
يقول غانم إن الحريري فاجأه يومها بعبارةٍ كسرت الجليد سريعًا: إنه يتابعه ويحب "الناس الناجحين"، ثم فتح أمامه بابًا واضحًا: انتقد كما تشاء، لكن مِن دُونِ تجريح أو افتراء. تلك البداية - كما يروي - جعلته يخرج "مسحورًا" بشخصيةٍ قوية، تعرف ماذا تريد وتسمع للآخر حتى لو خالفها.
وفي محطةٍ اعتبرها مفصلية، روى غانم تفاصيل لقاءٍ لاحق في منزل الحريري، حين انتقل الحديث من الرسمي إلى الشخصي ومن المجاملات إلى جوهر الصراع. هناك، نقل غانم عن الحريري شرحه لطبيعة القبضة السورية على لبنان، عبر صورةٍ بيده: "كل ما بتقوّي صبيعك… شدّ وافتحهم… بتبلّش القبضة تفلّ". يقول غانم إن تلك اللحظة جعلته يبكي في طريق العودة: هل يمكن أن يكون هذا الرجل فعلًا "حلمًا" قابلًا للتحقق للخلاص من الوصاية؟
في شهادته، قدّم غانم صورةً عن طبيعة الاشتغال الإعلامي في تلك المرحلة، حيث كان التنصّت جزءًا من اليوميات والاتصالات السياسية تُدار على خطوطٍ تُعرف مسبقًا أنها "مراقبة"، مُشيرًا إلى أن الحريري كان يتواصل معه بشكلٍ شبه يومي، لا فقط لتقييم الحلقات، بل لإرسال رسائل "مقصودة" يعلم أن أجهزة عدة ستلتقطها.
ومن السياسة إلى الفن، النكات والناس، يصف غانم علاقةً اتسعت إلى حدّ إدخاله في تفاصيل العائلة والمناسبات الخاصة، معتبرًا أنّ احترام الحريري له كان يتعزّز لأن العلاقة - كما شدّد - لم تقم على منفعة مالية أو طلب.
يضع غانم أكثر فصول علاقته بالحريري كثافةً في مرحلة صعود الرئيس إميل لحود، محاولات التمديد، تعديل الدستور، وما رافقها من ضغط سوري واشتباك داخلي. ويستعيد كيف كان الحريري يعود من لقاءاته الصعبة محمّلًا بالحزن والانكسار أكثر من الغضب، وكيف بدأت مؤشرات "العدّ العكسي" تظهر مع تصاعد المواجهة وولادة ديناميات سياسية مسيحية - مثل نداء المطارنة - اعتبر غانم أن الحريري فرح بها بوصفها "لبنان الحقيقي".
وفي السياق نفسه، روى أن التهديدات لم تكن مجرد إشارات بعيدة، بل رسائل متتالية جاءت عبر أكثر من قناة، وصولًا إلى رسالة "أساسية" نقلها إليه أحد أركان النظام الأمني السوري آنذاك، في سياقٍ وصفه بأنه نابي وخطير.
عن يوم الاغتيال، يصف غانم حالة ارتباك داخل المؤسسة اللبنانية للإرسال قبل أن يتحوّل الشك إلى يقين. يقول إنّه، حين رأى وجوهًا تبكي على الشاشة، فهم أن "الحدث أكبر من انفجار" وأن البلد فقد "روحًا" و"جسرًا" كان يُمسك توازناته ويقود مشروعه.
ويذهب غانم إلى أبعد من الرثاء العاطفي، معتبرًا أن رفيق الحريري كان "عنوانًا رؤيويًا" لتحديث لبنان وربطه بالعالم وأن البلاد منذ 2005 تعيش على "آخر ما أُنجز" في زمنه، فيما غابت "الرؤية" طويلة المدى عن الدولة.
كشف غانم أيضًا جانبًا من حرص الحريري على فهم المزاج المسيحي، وكيف كان يستشيره قبل لقاءاته في بكركي وبعدها ويمازحه بتعابير مثل "دخلت إلى دياركم" و"خرجت من بركتكم". ويضيف إِنَّ الحريري كان يفضّل أحيانًا نقل أفكار حساسة "وجهًا لوجه" أو في السيارة بدل الهاتف، ما يعكس مستوى الرقابة والتهديد الذي أحاط بالمرحلة.
في ختام شهادته، قال غانم إنه لم يتجرأ على زيارة ضريح الحريري حتى اليوم، وكأن المكان لا يَزَال يختزن الصدمة الأولى، مُستَعِيدًا لحظات تشييعٍ قاسية. واعتَبَرَ أَنَّ اغتيال الحريري لم يكن استهدافًا لشخص، بل لرؤيةٍ كاملة، دفع ثمنها لأنه أحب لبنان "حتى النهاية".
وبين دمعةٍ لم تكتمل وكلماتٍ خرجت بصعوبة، ختم غانم رسالته بأن البلد لا يَزَال بِحَاجَةٍ إلى حكمةٍ تشبه حكمة رفيق الحريري وإلى رجالٍ يدفعون ثمن الدولة بدل أن يحوّلوا السياسة إلى "مشروع موت".