March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

سعد الحريري قالها: "رح يسمعوا أصواتنا ورح يعدّوها"

في لحظة مؤثرة اختلطت فيها السياسة بالعاطفة، شكلت الدموع التي انهمرت من عيني الرئيس سعد الحريري فور اعتلائه المنصة في الذكرى الحادية والعشرين على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، أصدق تعبير عن حجم التأثر بفعل الوفاء الاستثنائي الذي أظهره جمهور تيار المستقبل تجاه زعيمه.

مشهد الدموع لم يكن عابرًا، بل عكس عمق العلاقة بين القيادة وقاعدتها الشعبية، على الرَّغمِ مِن كل الخيارات الصعبة التي اتخذها سعد الحريري في السنوات الماضية، وفي مقدمها قرار الاعتكاف عن ممارسة العمل السياسي.

فعلى الرغم من الأجواء الماطرة والعاصفة، احتشد عشرات الآلاف من مناصري التيار الازرق في وسط بيروت، مؤكدين أنَّ الرهان على انكفاء الحالة الحريرية كان في غير محله. الحضور الكثيف لم يكن مجرد مشاركة في ذكرى، بل بدا تجديدًا للثقة والبيعة لسعد الحريري وتثبيتًا للالتزام بنهج الرئيس الشهيد، الذي لا يزال حاضرًا في الوجدان السياسي والشعبي لجمهوره.

وكما اعتاد انصاره منه، جاءت كلمة سعد الحريري محاولة لملامسة تطلعات جمهوره الذي يتوق الى رؤية تياره مُجددًا في صلب الحياة السياسية. الخطاب حمل رسائل واضحة أعادت التذكير بثوابت تيار المستقبل، وفي مقدمها التمسك باتفاق الطائف بوصفه الخيار الأول والأخير والمرجع الوطني الذي يجب تطبيقه كاملًا من دون اجتزاء أو انتقاص. كما شدد على أَنَّ مسألة السلاح غير الشرعي لا تحتمل المواربة، مُؤكِّدًا ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها من دون أَيِّ ذَرَائِع أَو استثناءات.

وفي سياق الانفتاح العربي، لم يغفل الحريري توجيه التحية إلى سوريا الجديدة التي تخلصت من حكم الاستبداد وإلى رئيسها أحمد الشرع، مشددًا، في الوقت نفسه، على عمق الروابط التي تجمع لبنان بمحيطه العربي، لا سيما الدول الخليجية والدعوة إلى نبذ أي خلافات عربية داخلية، معتبرًا أَنَّ من يسعى إِلى زرع الشقاق فليبحث عن ساحة أُخرى، على حد تعبيره.

غير أَنَّ بيت القصيد بالنسبة الى الحشود المحتشدة تمثل في الاستحقاق الانتخابي وموقف تيار المستقبل من المشاركة فيه. هذا السؤال بَقِيَ محور الترقب والانتظار، إلى أَن قالها سعد الحريري بوضوح: فليعلن المعنيون ما إِذا كانت الانتخابات ستحصل، وعندها نبلغهم موقفنا من المشاركة. لكنه أَردف بنبرة واثقة أَنَّهُ في حال حصولها، فإِن الأَصوات ستعد. عبارة بدت وكأنها إِشارة شبه حاسمة إِلى اتجاه التيار نحو خوض المعركة، واضعة الكرة في ملعب من يعنيهم حصول الانتخابات، ومبقية الباب مفتوحًا أَمام عودة مرتقبة إلى معترك العمل السياسي.

في قراءة شاملة لخطاب الحريري، أكد رئيس حزب حركة التغيير المحامي إيلي محفوض أن مشهد الحشود التي توافدت في هذا اليوم الماطر والعاصف إلى ساحة الشهداء في ذكرى 14 شباط يحمل دلالات عميقة تتجاوز الطقس والظروف المناخية، ليعكس حضورًا سِيَاسِيًّا وَشَعبِيًّا لا يمكن التقليل من شأنه.


واعتَبَر عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ السؤال الأساسي لا يرتبط بعدد المشاركين فحسب، بل بما إذا كان اللبنانيون قد تعلموا شيئا من التجارب السابقة، لا سيما من تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.


وقال محفوض إنه، وبغض النظر عن الآراء المتباينة حول السياسات التي انتهجها الرئيس الشهيد، فإن الوقائع تثبت أنه منذ استشهاده لم يظهر في لبنان من استطاع أن يملأ الفراغ الذي تركه على مستوى الرؤية، المشاريع والنهج الإنمائي.


أَضَافَ إِنَّ مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري شهدت تَرَاجُعًا وَاضِحًا في المشاريع المرتبطة بالإنماء، التعليم وإعادة الإعمار، مُعتَبِرًا أن استشهاده لم يكن حدثًا عَادِيًّا في السياق السياسي اللبناني، بل شكل نقطة تحول كبرى، وأن الكَثير من الأحلام والمبادرات الوطنية دفنت معه.


وفي قراءته لمشهدية 14 شباط في ساحة الشهداء، أشار محفوض إلى 3 إشارات أساسية. الإشارة الأولى، بحسب تعبيره، تتمثل في أن الرئيس سعد الحريري أعاد تكريس زعامته الشعبية وأكد أن هذه الزعامة لا تَزَال مرتبطة بإرث والده ومشاريعه. ورأى أن هذه الزعامة لا تزال متجذرة في الوجدان السني والوطني وأن رمزية رفيق الحريري لا تزال حاضرة بقوة، إلى حد أن الرجل، وهو في ضريحه، لا يزال يشكل أحد أقوى الرموز القيادية في البلاد.


أما الإشارة الثانية، فتمثلت في الرسالة التي وجهها جمهور تيار المستقبل من خلال حضوره الكثيف، والتي فسرها محفوض على أنها تأكيد على أن مشروع رفيق الحريري لم ينته وأن الحلم مستمر ولو في ظل الظروف الصعبة. واعتبر أن الحشود الشعبية تعكس تمسكًا بالنهج السياسي الذي أسسه الرئيس الشهيد وأن هذا الحضور لا يمكن اعتباره حدثًا عَابِرًا، بل هو تعبير عن خيار سياسي واضح.


الإشارة الثالثة، التي وصفها بأنها الأكثر حزنًا، فتتعلق بمضمون خطاب سعد الحريري، حيث رأى محفوض أن الخطاب لم يرتق إلى مستوى اللحظة السياسية الدقيقة التي تمر بها البلاد، مُوضِحًا أَنَّ الجمهور كان ينتظر خطابًا حَاسِمًا يتضمن مبادرات واضحة وخطوات عملية، لا سيما في ظل التحديات الوطنية الراهنة. كما توقف عند كلام الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري بشأن تصاعد المواقف بعد التأكد من حصول الانتخابات، مُعتَبِرًا أن المطلوب هو الانطلاق من مسلمة أن الانتخابات حاصلة حُكمًا، وعدم بث أي إشارات قد توحي بإمكانِ عدم حصولها.


وتساءل محفوض عما إذا كان سعد الحريري سيبقى في لبنان في المرحلة المقبلة وما إذا كانت مواقفه ستترجم إلى خطوات عملية، معربًا عن خشيته من أن تتكرر مشهدية السنوات السابقة، حيث تعلن مواقف قوية ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه من دون تغيير فعلي.


وفي ما يتعلق بطرح حصر السلاح بيد الدولة، أشار إلى أن هذا المبدأ يشكل رُكنًا أَسَاسِيًّا في أدبيات الرئيس الشهيد ونجله وأنه لا يجوز التشكيك بثوابت هذا النهج أو تحميل سعد الحريري تبعات أحداث سابقة، لَافِتًا إلى أن ما مر به الرجل من ظروف وضغوط لا يمكن الاستهانة به.


كما شدد محفوض على أن استشهاد رفيق الحريري أسس لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان، مُعتَبِرًا أن هذا الحدث شكل محطة مفصلية في مسار الاستقلال الثاني، توازيًا مع النهج الوطني للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير وأنه لا يجوز التعامل معه كحادثة عادية في سياق الصراعات السياسية. وذَكَّرَ بمساهمة الرئيس رفيق الحريري في إِطلاق تجمع البريستول، الذي أسس بدوره في إِطلَاق حركة 14 آذار.


وفي سياق متصل، وَجَّهَ نِدَاءً مُبَاشَرًا إلى الرئيس سعد الحريري، دَاعِيًا إياه إلى عدم الانجرار وراء رسائل أو إشارات إيجابية ظاهرها الدعم وباطنها محاولات تطويق أو احتواء. وحَذَّرَ مِنَ الوقوع في أَفخاخ سياسية سبق أن أثبتت التجربة خطورتها، مُؤكِّدًا أَنَّ جمهور تيار المستقبل يتمتع بوعي سياسي كاف لتمييز المواقف الحقيقية من محاولات الاستعطاف وأن ذاكرة اللبنانيين لا تمحى بسهولة.


أما في ما يتعلق بتوجيه التحية إلى سوريا الجديدة والرئيس أحمد الشرع، فقد أوضح محفوض أن التحية جاءت في سياق الحديث عن مرحلة جديدة ونظام جديد، مُعتبرًا أن العلاقات مع الدول الشقيقة يجب أن تبنى على قواعد واضحة تحترم السيادة والخصوصيات الوطنية. وأكد، في الوقت نفسه، أن العلاقة التاريخية لآل الحريري مع المملكة العربية السعودية ثابتة وراسخة ولا تحتاج إلى تأكيد في كل مناسبة، لأنهاظ مسألة معروفة لا جدال فيها.


وشَدَّدَ على ضرورة التركيز على ما قيل في الخطاب من مضامين سياسية، بدلًا من الانشغال بما لم يرد فيه، مُعتبرًا أن المرحلة تتطلب وضوحا وثباتًا في المواقف وأن اللبنانيين ينتظرون أفعالًا توازي حجم التحديات التي تواجه وطنهم.

سعد الحريري قالها: "رح يسمعوا أصواتنا ورح يعدّوها"
سعد الحريري قالها: "رح يسمعوا أصواتنا ورح يعدّوها" - 1