تشهد الساحة السياسية اللبنانية في الفترة الأَخِيرَة سلسلة تطورات لافتة في مقاربة حزب الله لعدد من الملفات الداخلية، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة التحولات التي تطرأ على سياساته وخياراته.
هذه التطورات برزت تباعًا ابتِدَاءً من زيارة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد إلى قصر بعبدا ولقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون، في خطوة أَتَت بعد حملات انتقاد علنية شنها بعض إِعلاميي وناشطي الحزب ضد الرئاسة الأُولى، مُرُورًا بخبر استقالة القيادي البارز وفيق صفا، وُصولًا إلى المواقف الأَخيرة للأمين العام الشيخ نعيم قاسم الذي حذر صراحة من محاولات زرع الشقاق بين الحزب ورئاسة الجمهورية، مؤكدًا على ضرورة منع استدراج الخلاف إلى مستويات أعمق.
وتزامنت هذه المؤشرات مع حراك حكومي تمثل بالزيارات التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، وما رافقها من استقبالات شعبية لافتة، لا سيما في قرى محسوبة سياسيًا على حزب الله، الأَمر الذي أَعاد طرح علامات استفهام حول دلالات هذا المشهد المتكامل.
فهل تعكس هذه الوقائع ليونة مدروسة في مواقف الحزب ومحاولة لِإِعادة تنظيم العلاقة مع الدولة ومؤسساتها أَم أَنَّهَا مجرد خطوات تكتيكية فرضتها حساسية المرحلة السياسية والأمنية؟ وكيف يمكن قراءة هذه التحولات في ضوء الاستعداد للمرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني الهادفة إلى حصر السلاح في شمال الليطاني وما إِذَا كانت هذه المعطيات تشكل مؤشرات على مقاربة جديدة يسعى الحزب إلى اعتمادها في المرحلة المقبلة؟
في قراءة لتلك التطورات، قال الصحافي غسان جواد إِنَّ التحولات الأَخيرة في مواقف حزب الله وسلوكه السياسي تعكس توجها واضحًا لِإِعادة تنظيم العلاقة مع مؤسسات الدولة اللبنانية، لا سيما مع رئاسة الجمهورية، من دون الوصول إلى القطيعة، على الرغم من استمرار التباينات في مقاربة عدد من الملفات السياسية، الأَمنية والاستراتيجية.
وأَشَارَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ زيارة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد إلى قصر بعبدا شكلت محطة سياسية لافتة، إِذ جاءت في سياق تأكيد متبادل على ضرورة الحفاظ على قنوات التواصل بين الطرفين، انطلاقًا من مصلحة مشتركة لكل من رئاسة الجمهورية وحزب الله، خصوصا في مرحلة إقليمية دقيقة وحساسة قد تنعكس تداعياتها بشكل مباشر على الداخل اللبناني.
ولفت إلى أَنَّ العلاقة بين رئيس الجمهورية وحزب الله، كما العلاقة بين الحزب والدولة، تقوم على قاعدة عدم الرغبة في القطيعة، حتى في ظل وجود اختلافات في الرؤى والمقاربات، مُشَدِّدًا على أَنَّ الطرفين يفضلان تنظيم الخلافات بدل تفجيرها، وهو ما ظهر بوضوح في المرحلة الأَخيرة.
وأَكَّدَ جواد أَنَّ زيارة النائب رعد كانت إِيجابية بحسب المعطيات المتوافرة، وشهدت توضيحًا لعدد من النقاط التي كانت موضع التباس لدى الجانبين، مُذَكِّرًا بِأَنَّ لبنان مقبل في خلال فترة قصيرة على استحقاق انتخابي مهم، ما يجعل من الاستقرار السياسي والتنسيق بين القوى الأَساسية أَمرًا ضَرُورِيًّا.
وفي ما يتعلق بما أُثيرَ حول إِقالة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا، أَوضَحَ أَنَّ ما حصل هو استقالة وليست إِقالة، مُعتَبِرًا أَنَّ هذه الخطوة تندرج في إِطَارِ انتقال حزب الله إلى مرحلة تنظيمية جديدة وإِعادة ترتيب البيت الداخلي بعد سنوات طويلة من تولي صفا هذا الموقع.
وشَدَّدَ جواد على أَنَّ الاستقالة لا تعكس أَي تراجع في موقع صفا أَو تَقلِيصًا لدوره، بل تأتي ضمن عملية إِعادة توزيع للأدوار داخل البنية التنظيمية للحزب، وهي مسألة طبيعية شهدها الحزب في مراحل سابقة، حيث برزت شخصيات في الواجهة السياسية ثم عادت إلى الخلف قبل أَن تعود مُجَدَّدًا إِلى أَدوار مختلفة.
وأَكَّدَ أَنَّ حزب الله لا يعاني من أَيِّ انقسامات داخلية وأَنَّ مَا يَحصل هو عملية تنظيم داخلية هادئة، وقد يظهر وفيق صفا في موقع آَخَر في خلال المرحلة المقبلة، كما حصل مع قيادات حزبية أُخرى في محطات سابقة.
وتطرق جواد إلى زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، مُعتَبِرًا أَنَّها جاءت في سياق الترتيبات الداخلية وتحسن العلاقة بين حزب الله ورئاسة الحكومة. ولَفَت إلى أَهمية الرسائل التي حملها رئيس الحكومة، لا سيما لجهة التأكيد على أَنَّ دور الدولة لا يقتصر على الأَمنِ فقط، بل يشمل الإِنماء، تحسين الظروف المعيشية وتعزيز مقومات الصمود لدى المواطنين.
وأَشَارَ إلى أَنَّ الاستقبال الشعبي الذي حظي به رئيس الحكومة في الجنوب عكس تعطش الناس إلى حضور الدولة ومؤسساتها ورغبتهم في رؤية الدولة حاضرة في حياتهم اليومية، سواء على المستوى الأَمني أَن الإِنمائي والخدماتي.
وعن مرحلة شمال الليطاني، قال جواد إِنَّ موقف حزب الله في هذا الشأن واضح، إِذ يعتبر الحزب أَنَّ التنازلات التي قدمها والتعاون الذي أَبداه جنوب الليطاني يجب أَن يقابله انسحاب إِسرائيلي كامل، الإِفراج عَنِ الأَسرى وعودة المهجرين إلى قُراهم، مُؤَكِّدًا أَنَّ الحزب لا يرى نفسه مَعنِيًّا بِأَيِّ تعاون إِضافي قبل تحقيق هذه الشروط.
وأَكَّدَ أَنَّ الحزب يَسعَى إلى التنسيق مع الدولة ومحاولة الاستفادة من قوة المقاومة ضمن إِطار استراتيجي يخدم المصلحة الوطنية اللبنانية.
أَمَّا في ما يخص القرار الكويتي المفاجئ المتعلق ب8 مستشفيات لبنانية، فوصَفَهُ جواد بالمستغرب والمستهجن، مُشِيرًا إلى أَنَّ هذه المستشفيات تؤدي دورًا طبيًّا وإِنسَانِيًّا أَسَاسِيًّا، سواء في معالجة ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية أَو في تقديم الخدمات الصحية لسكان مناطق واسعة، كما تستقبل مرضى من دول عربية، بينهم مواطنون كويتيون، خصوصًا في اختصاصات دقيقة كطب القلب.
واعتَبَرَ أَنَّ الدولة اللبنانية معنية بتشكيل ملف متكامل والتواصل المباشر مع الدولة الكويتية لازالة أَيِّ التباسات والعمل على رفع هذه المستشفيات عن أَيِّ لوائح تصنيف أَو مقاطعة، مُحَذِّرًا مِن أَنَّ هذه السابقة تشكل خَطَرًا حَقِيقِيًّا قد يؤثر مُستَقبَلًا على قدرة القطاع الصحي اللبناني على مواجهة الأَزَمَات والتحديات.