في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا تعود الذاكرة إلى لحظة الجريمة بوصفها حدثًا أمنيًا فقط، بل إلى مشروعٍ وطنيٍ كامل قُطع في ذروة عطائه، وإلى رجلٍ لم يكن مجرّد رئيس حكومة، بل حالة سياسية، اقتصادية وإنسانية غيّرت وجه لبنان. فرفيق الحريري، بحسب كثيرين ممّن عرفوه عن قرب، لم يُغتل في 14 شباط 2005 وحده، بل اغتيل معه "حلم الدولة"، ومنذ تلك اللحظة "لم يعد شيء كما كان".
في هذا السياق، خصّصت منصّة "بالعربي حلقةً استثنائية ضمن برنامج "رفيق الحريري.. حكاية وطن"، حاور في خلالها الإعلامي ربيع ياسين الوزير والنائب السابق ميشال فرعون، الصديق، الحليف والشاهد القريب من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في شهادة طويلة مزجت بين السياسة والتفاصيل الشخصية وبين سرد الوقائع واستعادة الانطباعات الأولى، وصولًا إلى لحظة الانفجار التي وصفها فرعون بأنّها "كارثة على لبنان"، قبل أن تتحوّل في السنوات التالية إلى "كوارث متتالية".
استعاد فرعون تلك اللحظة التي خرج فيها إلى الإعلام من موقع الاغتيال، عاجزًا عن تقديم إجابات حاسمة وسط الفوضى والدخان، مكتفيًا بعبارة قال إنها خرجت منه تلقائيًا: "ما بدي علّق… هيدي كارثة على لبنان". وفي الحوار، أضاف أنّ ما أعقب ذلك اليوم لم يكن تداعيات سياسية فحسب، بل مسارًا جديدًا دخلته البلاد، حيث تحوّلت الصدمة إلى سلسلة أزمات كبرى.
وفي سردٍ يبدأ من أوائل التسعينيات، كشف فرعون أنّ علاقته بالحريري لم تولد من حماسٍ فوري، بل من "نقزة" وحذرٍ مرتبطين بتفاصيل جدلية في تلك المرحلة، قبل أن تتبدّل الصورة تدريجيًا مع التجربة المباشرة. وأشار إلى أنّ أول محطة مفصلية جمعته بالحريري كانت من خلال لجنة مرتبطة بمرفأ بيروت، حيث لمس ــ كما قال ــ "سرعة غير طبيعية في فهم الملفات واتخاذ القرار"، معتبرًا أنّ الحريري كان يجمع بين عقل رجل الأعمال وخبرة رجل الدولة، ويستطيع أن يحوّل الفكرة إلى مسار عملي خلال دقائق.
وبحسب فرعون، فإنّ تلك التجربة كانت كافية لتثبيت قناعة أساسية لديه: أنّ الحريري لم يكن يعتمد على "الدعم الخارجي" وحده، بل يملك "طاقة استثنائية" وقدرة على التفاوض، التمويل وتجاوز التعقيدات السياسية والإدارية في آن.
توقّف فرعون عند محطة انتخابات 1996 ثم معركة 2000 التي وصفها بالمفصلية، معتبرًا أنّ الحريري "كرّس زعامته البيروتية" في العام 2000 وأنّ مشروعه لبيروت لم يكن مجرّد إعادة إعمار عمراني، بل محاولة لإعادة "نبض المدينة" و"روح العيش المشترك" إلى وسطها، عبر جعل الوسط التجاري "قلبًا حيًا" لا مساحة إسمنتية مغلقة.
وعن مشروع "سوليدير" الذي أثارَ جدلًا واسعًا لسنوات، قدّم فرعون قراءة مزدوجة: حلمٌ بإعادة بناء مدينة حديثة مع الحفاظ على رموزها، يقابله واقعٌ لم يكتمل كما كان مأمولًا، خصوصًا بعد الاغتيال وما تبعه من واقع أمني وسياسي "أمات الوسط التجاري"، وفق تعبيره.
وفي جانبٍ سياسي – اقتصادي، وصف فرعون مرحلة حكومة العام 2000 بأنّها كانت لحظة "حماس عربي وأوروبي" حول لبنان، مع مشاريع إصلاحية وقانونية وتنموية قال إنها كانت على الطاولة: من الكهرباء إلى الهاتف وصولًا إلى مشاريع بنى تحتية وملفات المرافئ والمطار. واعتبر أنّ اغتيال الحريري لم يكن فقط اغتيالًا لشخص، بل "اغتيالًا لمسار كامل" كان يمكن أن يحدّ - برأيه - من الانهيارات التي عرفها لبنان لاحقًا، لا سيما الانفلات المالي وتراكم الفساد وتضخم كلفة ملف الكهرباء.
لم يقتصر الحوار على السرد السياسي، إذ روى فرعون مواقف إنسانية قال إنها علقت في ذاكرته، منها حادثة بسيطة في السفر أظهرت جانبًا "أبويًا" لدى الحريري، وكيف كان ينتبه للتفاصيل الصغيرة وسط انشغالاته الكبرى.
وفي المقابل، تحدّث عن أجواء ثقيلة سبقت الاغتيال بأيام، مشيرًا إلى أنّه - على الرَّغمِ مِن قربه - لم يكن يتخيّل أن يصل الأمر إلى حد الاغتيال، في وقت كانت المؤشرات تتنقّل بين "تحذيرات" و"طمأنة"، فيما كان الحريري نفسه يظهر عليه إرهاق واضح وإحساس بتصاعد المخاطر.
روى فرعون أنّ آخر مرة رأى فيها الحريري كانت صباح 14 شباط 2005 في مجلس النواب، في خلال نقاشات مرتبطة بملفات انتخابية، قبل أن يقع الانفجار. وقال إنّ الصدمة الأكبر أنّ الحريري كان "طبيعيًا" قبل دقائق، ولم يخطر ببال أحد أنّ ما سيحصل ممكن.
وعن توجهه إلى محيط فندق السان جورج بعد الانفجار، أشار إلى أنّ ما رآه من مشاهد النار والسيارات المحترقة، ثم نظرة أحد عناصر الحماية التي فهم منها "الجواب" من دون كلام، شكّل لحظة إدراك قاسية بأنّ ما حدث تجاوز كل الاحتمالات.
في ختام الحلقة، وعندما طُلب من فرعون أن يَتَوَجَّه بِكَلِمَة "وجدانية من القلب" للرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد 21 عامًا، اختصر رسالته بالشكر: شكرٌ على ما قدّمه لبيروت ولبنان وعلى "فترة استثنائية" بين عامي 1995 و2005 وصفها بأنّها كانت "على الطريق الصحيح"، وعلى ثمنٍ كبيرٍ دفعه الرجل وعائلته، من دون أن يتخيّل - وفق تعبيره - أنّ المعركة ستأخذه إلى ذلك المصير.
وبين السياسة والوجدان، أعاد فرعون في شهادته تثبيت مقولةٍ كرّرها الحريري في أكثر من محطة: "ما حدا أكبر من بلده"، لتبقى العبارة - كما انتهت الحلقة - عنوانًا لسؤالٍ مفتوح: ماذا خسر لبنان يوم اغتيل الرجل والمشروع معًا؟
اضغط على الرابط الآتي لمشاهدة الحلقة: