بعد واحدٍ وعشرين عامًا على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تبقى الذكرى مفتوحة على الأسئلة الكبرى: أيّ دولةٍ أرادها؟ أيّ مشروعٍ استُهدف؟ وكيف انقطعت "رحلة بناء لبنان الحلم" في لحظةٍ غيّرت مسار البلاد؟
بعد واحدٍ وعشرين عامًا على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تبقى الذكرى مفتوحة على الأسئلة الكبرى: أيّ دولةٍ أرادها؟ أيّ مشروعٍ استُهدف؟ وكيف انقطعت "رحلة بناء لبنان الحلم" في لحظةٍ غيّرت مسار البلاد؟
وفي حلقةٍ خاصة من برنامج "رفيق الحريري… حكاية وطن"، مع الإعلامي ربيع ياسين عبر منصّة "بالعربي"، أُعيد فتح "حكاية الرجل والمشروع" من زاوية الشهادة القريبة والتجربة السياسية. وقدّم النائب السابق نبيل دو فريج سردًا تفصيليًا عن رفيق الحريري: الإنسان، رئيس الحكومة وصاحب الرؤية، بعيدًا عن "الروايات الجاهزة" و"الصور المؤطّرة بالزمن".
دو فريج، أحد وجوه كتلة "المستقبل" النيابية سابقًا، استعاد محطاتٍ مفصلية من علاقة الحريري بالناس، بالدولة وبفكرة "الوحدة الوطنية". كما روى وقائع سياسية واقتصادية اعتبر أنّها تشكّل "جوهر المعركة التي خيضت ضد الرجل"، وصولًا إلى مرحلة التمديد للرئيس إميل لحود وما تلاها من تضييق سياسي وأمني، قبل اغتيال 14 شباط الذي وصفه بأنّه لحظة شعر فيها أنّ "لبنان انتهى".
قدّم دو فريج صورة للحريري بوصفه رجلًا خرج من "عائلة متواضعة"، صنع نجاحه في السعودية، ثم عاد يبحث عن طريقة لمساعدة بلده على النهوض من الحرب. وأكد أنّ الحريري لم يبدأ السياسة من بوابة السلطة، بل من باب جمع المتخاصمين ومحاولة تقريب وجهات النظر، حتى قبل أن يصبح رئيسًا للحكومة بسنوات طويلة، معتبرًا أنّ هاجسه كان "بناء دولة لكل المواطنين، لا مساعدة فريق ضد فريق".
وفي سياقٍ لافت، روى دو فريج أنّ الحريري أطلق مشروعًا تربويًا واسعًا عبر تأمين تعليم عشرات الآلاف في أكبر الجامعات العالمية، لكن بشرطٍ واضح: أن يعودوا إلى لبنان وألّا يتحوّل الاستثمار التعليمي إلى "هجرة دائمة"، في إشارة إلى فلسفة الحريري القائمة على إعداد كوادر دولة المستقبل.
استعاد دو فريج أول لقاء له مع الحريري منتصف التسعينيات، قبل أن تتوثق العلاقة لاحقًا وصولًا إلى انتخابات العام 2000 التي دخل بعدها "في صلب العمل السياسي" إلى جانب الرئيس الشهيد. ولفت إلى أنّ تلك المرحلة جاءت فيما البلد يعيش ضائقة مالية حادة، معتبرًا أنّ الحريري حاول حينها تأمين السيولة عبر شبكة علاقاته الخارجية ومؤتمرات الدعم، وفي مقدّمها مؤتمر "باريس 1" وما تلاه من مسارات إصلاحية.
في أبرز محاور الحلقة، ردّ دو فريج على الاتهامات التي تُوجَّه إلى الحريري بشأن الدين العام ومؤتمرات باريس، معتبرًا أنّ المشكلة ليست في "الخطط" بل في "عرقلة تنفيذها". وقال إنّ القوانين الإصلاحية التي أُعدّت في تلك المرحلة، ومنها قوانين الكهرباء والاتصالات، أُقرّت في مجلس النواب مطلع الألفينيات، لكنّ التنفيذ جرى تعطيله سياسيًا، لافتًا إلى أنّ البلاد لا تزال بعد أكثر من عقدين تعود إلى تلك القوانين نفسها بوصفها "مخرجًا" من الأزمات المتراكمة.
وذكّر دو فريج بأنّ بيروت شهدت فترةً من التغذية الكهربائية على مدار الساعة وأنّ المشروع كان يتضمن مراحل إضافية "وُضعت في الثلاجة" ولم يُسمح باستكمالها، معتبرًا أنّ هذا التعطيل هو ما راكم العجز وأوصل الدولة إلى الانهيار.
توسّع دو فريج في شرح مناخ تلك السنوات، معتبرًا أنّ انتقال السلطة في سوريا بعد وفاة حافظ الأسد شكّل نقطة تحوّل وأنّ الضغط على الحريري تصاعد تدريجيًا عبر الحكومات، التعيينات وعرقلة مسارات الإصلاح. وتحدّث عن أجواء التوتر السياسي في مرحلة ما بعد "باريس 2"، وكيف شعر الحريري، وفق روايته، بأنّ أي نجاح اقتصادي سيُواجَه بردّ قاسٍ، في عبارة تختصر مناخ المرحلة: "ممنوع ننجح".
اعتبر دو فريج أنّ محطة التمديد للرئيس إميل لحود كانت الأخطر، لأنها نقلت المواجهة من الخلاف السياسي إلى "قرار إسقاط الحريري". وفي روايته، حاول خصوم الحريري كسره بكل الوسائل، وعندما فشلوا سياسيًا، اتجهوا إلى خيار "اغتياله".
وفي هذا السياق، توقف عند محاولة اغتيال النائب مروان حمادة بعد التمديد، معتبرًا أنها حملت رسالة واضحة لكل المعترضين، وروى كيف أصرّ الحريري على زيارة حمادة شخصيًا على الرَّغمِ مِنَ التحذيرات الأمنية، في موقفٍ قال إنه يلخّص شخصيته.
روى دو فريج تفاصيل الأيام التي سبقت اغتيال الحريري وتحدث عن أجواء التحضير لقانون الانتخاب وعن لقاءات ومؤشرات "قلق" نقلها مقرّبون من الحريري في الساعات الأخيرة، قبل أن يقع الانفجار المروّع في 14 شباط، فيما كان دو فريج داخل مجلس النواب.
وقال إنه في اللحظات الأولى لم يستوعب ما حدث، قبل أن تتأكد الأنباء، ليصل إلى خلاصة صادمة عبّر عنها بوضوح: "شعرت أنّ لبنان انتهى".
بعيدًا عن السياسة، قدّم دو فريج مشاهد إنسانية عن شخصية الحريري: ذاكرته الاستثنائية، طريقته في التقاط التفاصيل وعلاقته بمن حوله. وروى واقعة تعود إلى مطلع التسعينيات، حين طلب من الحريري لقاء الشيخ محمد بن راشد، قبل أن يفاجأ بعد سنوات بأنّ الحريري تذكر السؤال حرفيًا أمام ضيوف كبار وجمعه بالشيخ محمد بن راشد، في إشارة إلى ذاكرة وصفها بأنها "غير عادية".
كما توقف عند فلسفة الحريري في العمل العام: عدم الانجرار إلى "المعارك الصغيرة" والتركيز على قضايا الناس والخدمات والإصلاح، معتبرًا أنّ الحريري كان يرفض أن يُسحَب إلى سجالات تُشبه خصومه.
تحدث دو فريج مطولًا عن علاقة الحريري بالمسيحيين، معتبرًا أنّ ما كسر حملات التخويف ضده هو "الممارسة" لا الخطاب وروى قصصًا عن دعم اجتماعي، صحي وتعليمي قُدّم بصمت، من دون أن يُعلن أو يُستثمر سياسيًا.
في نهاية الحلقة، كشف دو فريج أنّ الحريري كان يرفض تحويل "تيار المستقبل" إلى حزبٍ رسمي، لأن ذلك وفق الحريري سيأخذ طابعًا مذهبيًا بحكم الواقع اللبناني، بينما كان يريد "تيار مستقبل لبنان" لا "تيار طائفة". واعتبر دو فريج أنّ التحوّل لاحقًا نحو الحزبية الصرفة ساهم في إضعاف التجربة وتغيير صورتها.
وعندما سُئل عمّا يقوله للحريري لو كان يسمعه اليوم، اكتفى دو فريج بالقول إنّه نال "حقّه" عبر مسار المحكمة الدولية، إنّ أمنيته الأساسية أن "يعود مشروع الحريري وأَن يتبناه أحد لاستكمال ما انقطع". كما تحدّث عن زيارته لضريح الحريري بعيدًا عن الإعلام، تفاديًا لتحويل الذكرى إلى صورة أو استعراض.
وختم دو فريج بتذكيرٍ لافت بأنّ الشهيد باسل فليحان بقي "مظلومة ذاكرته" على الرَّغمِ مِن دوره المركزي ووجعه الطويل بعد الانفجار، معتبرًا أنّ الحريري لم يكن "صاحب مستشارين" بالمعنى التقليدي، لكنه كان يثق بقلّة، وفي مقدمتهم فليحان.