في ظِلِّ الأَزمَةِ المالية والاقتصادية التي تَمُرُّ بها البلاد، تتكثف الجهود الرسمية لمعالجة الهدر المالي المتراكم منذ سنوات، والذي شَكَّلَ أَحَد أَبرَز أَسباب الانهيار الذي طال مختلف مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإِطَار، تَعمَلُ الدولة، مُمَثَّلَةً بالحكومة ومجلس النواب، على الدفع باتجاه تطبيق سلسلة من الإصلاحات الهادفة إلى تقليص هذا الهدر وُصُولًا إلى إِيقَافِهِ بِشَكلٍ كَامِل، عَبرَ اعتماد مقاربات جديدة تقوم على إِعَادَةِ تنظيم الإِنفَاقِ العام وترشيده ومراجعة السياسات المعتمدة في إِدَارَة الموارد، فَضلًا عَن تفعيل الدور الرقابي وَمُسَاءَلَة الإِدَارَاتِ المعنية.
وقد باشرت الجهات المختصة تنفيذ عدد من الخطوات العملية في هذا المسار، على أَن تتوسع هذه الإِجراءات تَدرِيجِيًّا ضمن خطة إِصلاحية شاملة تهدف إلى إِعادة انتظام عمل الدولة وتعزيز الثقة بِأَدائها المالي والإِدَارِيّ.
في هذا السياق، أَوضَحَ النائب مارك ضو أَنَّ الدولة اللبنانية بدأت، تحت ضغط الأَزمَة المالية الخانقة، باتخاذ خطوات عملية لمعالجة ملف الأَبنِيَة التي تشغلها الإِدَارات والمؤسسات الرسمية، سواء كانت مملوكة أَو مُستَأَجرَة.
ولَفَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ مراجعة شاملة حصلت على هذا الملف كشفت حَجمًا كَبِيرًا من الهدر، خُصوصًا وأَنَّ معظم بدلات الإِيجار لا تزال تدفع بالليرة اللبنانية على الرَّغمِ مِن تَقَلُّص حجم عمل الدولة وحاجاتها الفعلية بعد الأَزمَة.
وأَشَار ضو إلى أَنَّ قسمًا وَاسِعًا مِنَ الأَبنية المُستَأَجرَة يعود لاستخدامه كمدارس رسمية، فيما لا تشكل المراكز الحكومية النسبة الأَكبَر، مُعتَبِرًا أَنَّ الاستمرار باستئجار مبان ذات كلفة مرتفعة لم يَعُد مُبَرَّرًا، لا سيما في الحالات التي كان يفترض فيها على الدولة أَن تَتِّجه منذ سنوات إلى تملك هذه العقارات أَو اعتماد صيغة الإِيجار التملكي التي تتيح خفض الكلفة على المدى المتوسط والبعيد ونقل الملكية لَاحِقًا الدولة.
وأَكَّدَ أَنَّ الواقع المالي الصعب فَرَضَ مَسَارًا إِصلَاحِيًّا قَسرِيًّا، إِذ إِنَّ عجز الدولة عن تسديد بدلات الإِيجار دفع عَدَدًا من المؤسسات الرسمية إلى مغادرة مقارها، كَاشِفًا أَنَّ بعض هذه المؤسسات لم تدفع مستحقاتها منذ العام 2019، ما سمح للمالكين بكسب دعاوى قضائية والحصول على قرارات بالإخلاء، ومن بينها مؤسسات أَسَاسِيَّة مِثلَ إيدال.
ولَفَت ضو إلى أَنَّ تنفيذ قرارات قضائية بإِخلاء مقار رسمية بات أَمرًا وَاقِعًا اليوم، نتيجة عدم التزام الدولة بواجباتها المالية، مُعتَبِرًا أَنَّ هذا التطور شكل نقطة تحول دفعت باتجاه تسريع الإصلاحات. وشَدَّدَ على أَنَّ المجلس النيابي كان له دور محوري في تحريك هذا الملف ووضعه على سكة المعالجة.
ورَأَى أَنَّ المرحلة المقبلة تتطلب تَقييمًا دَقِيقًا ومتابعة مستمرة في مختلف الوزارات والإِدارات، مُعتَبِرًا أَنَّ التوجه نحو دمج المدارس الرسمية، كما تعمل عليه وزيرة التربية ريما كرامي، من شأنه أَن يساهم في خفض كلفة الإِيجَارَات وتعزيز استخدام المباني المملوكة من قبل وزارة التربية، بما يسمح بتشغيل مدارس رسمية في عقارات عائدة للدولة.
وخَتَم ضو أَنَّ مَسَار الإِصلاح انطلق بفعل الضرورة المالية وبضغط العمل الرقابي وسيستمر في المرحلة المقبلة بهدف الحد من الهدر وإِعَادَة تنظيم الإِنفَاق العَامّ.