ساعات قَلِيلَة تَفصِلُ لبنان عن زيارة مفصلية لقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، زيارة أُعِيدَ إِدرَاجُهَا على جدول الاهتمامات بعد إِلغَاءٍ سابق فرضته حسابات وضغوط سياسية وأَمنِيَّة دقيقة. فما الذي تبدل في المشهدين اللبناني والإِقليمي حتى باتت الزيارة أَمرًا وَاقِعًا؟ وماذا سيسمع قائد الجيش من المسؤولين الأَميركيين في هذه المرحلة الحساسة؟ والأَهَمّ، ماذا سيحمل في جعبته من معطيات وإِنجَازاتٍ تتصل بخطة الجيش، تنفيذ القرار 1701 وحصرية السلاح؟ ثم ما دلالات هذه الزيارة قبل أَسابيع قليلة من انعقاد المؤتمر الدولي المقرر لدعم الجيش اللبناني، وما مدى تأثير نتائجها على انطلاق المرحلة التالية من خطة المؤسسة العسكرية لحصر السلاح في شمال الليطاني، في ظل ترقب داخلي وخارجي لمسار الدولة اللبنانية وخياراتها؟
في قراءة لهذه الزيارة وتبعاتها، رَأى المحلل السياسي وجدي العريضي أَنَّ زيارة العماد هيكل إلى الولايات المتحدة ليست زيارة عادية، بل تكتسب أَهَمِيَّة استثنائية في توقيتها ومضمونها، لا سيما وأَنَّهَا جاءت بعد سلسلة من التحولات والمتغيرات السياسية والأَمنِيَّة.
ولَفَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ هذه الزيارة كانت قد تأجلت نتيجة الضغط الأَميركي مِن أَجل الإِسرَاعِ في تَنفِيذِ خطة حصرية السلاح، إِذ سُجِّلَ في فترة سابقة نوع من العتب أَو عَدَم الرضى على أَدَاء قيادة الجيش، وهي مسألة لم تكن خفية. غير أَنَّ خطاب رئيس الجمهورية ومواقفه الأَخِيرَة، لا سيما حديثه المتلفز مَعَ الإِعلامِيّ وليد عبود عبر تلفزيون لبنان، شكلت نقطة تحول أَسَاسِيَّة وفتحت الأَفاق أَمَامَ إِنجاز هذه الزيارة، بالتوازي مع ما حققته المؤسسة العسكرية مِن إِنجَازاتٍ مَيدَانِيَّة.
وأَكَّدَ العري ي أَنَّ ما يَقُوم به الجيش اللبناني في جنوب الليطاني في إِطَارِ حصرية السلاح يشكل دليلًا وَاضِحًا على الاستمرار في تنفيذ هذه الخطة وُصُولًا إلى شَمَال الليطاني وعلى امتداد الأَرَاضِي اللبنانية كَافَّة، مُشَدِّدًا على ألَّا تراجع في هذا المسار لا من قبل رئيس الجمهورية الذي ثبت موقفه بخطاب حاسم ولا من قبل قائد الجيش.
وكشف أَنَّ العماد هيكل سيحمل معه إلى واشنطن خارطة طريق واضحة واجندة مفصلة تتضمن عَرضًا دَقِيقًا للإنجازات التي حققتها قيادة الجيش في تنفيذ القرار 1701، لافِتًا إلى أَنَّ السفير الأَميركي في لبنان ميشال عيسى يلتقي بشكل دائم رئيس الجمهورية وقائد الجيش وقد زار الجنوب واطلع مَيدَانِيًّا على كل ما يقوم به الجيش، وهو يرفع تقارير دورية إلى إِدَارَتِهِ حول هذه المُعطَيَات.
وبناء على هذه الخلفية، أَشَارَ العريضي إلى أَنَّ قائد الجيش سيعرض خطة متكاملة لتطوير قدرات الجيش وحاجاته، متسائلًا عما إِذا كانت واشنطن ستبدي رضى كاملًا عما تحقق أَم ستسجل مُلَاحَظَات وَعَتَبًا إِضَافِيًّا، مُعتَبِرًا أَنَّ الأَيَّام القليلة المقبلة كفيلة بتبيان ذلك، خُصوصًا وأَنَّ المعطيات تُشيرُ إلى تحول كبير في مقاربة هذه الزيارة.
وقَال إِنَّ العماد هيكل سيلتقي عَدَدًا مِن أَعضاء الكونغرس، باعتبار أَنَّ أَيّ مساعدات مالية أَو عَسكَرِيَّة تَمُرُّ عَبرَ الكونغرس ولجانه المختصة، لا سيما لجنتي الشؤون الخارجية والمالية، كما سيزور قيادة المنطقة الوسطى المعنية بملفات التسليح، لبحث حاجات الجيش اللبناني اللوجستية والتقنية وعلى مختلف المستويات.
وأَكَّدَ العريضي أَنَّ أَهَمِيَّة الزيارة تزداد كونها تسبق مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر عقده في باريس في آذار المقبل، وهو مؤتمر حُضِّرَ لَهُ بعد تبلور المواقف الأَخيرَة لرئيس الجمهورية والإِنجازات التي حققتها قيادة الجيش، نتيجة تنسيق سعودي أَميركِيّ فَرَنسِيّ؟
ولَفَت إلى أَنَّ المبعوث الفرنسي جان ايف لودريان، بصفته مُوفَدًا شَخصِيًّا للرئيس إيمانويل ماكرون، نَسَّقَ مُبَاشَرَةً مَعَ الإِدارة الأَميركية، مُشَدِّدًا على أَنَّهُ لا يمكن عقد أَي مؤتمر دولي لدعم لبنان من دون رضى أَو مُبَارَكَة أَمِيرِكِيَّة.
وأَشَارَ العَريضي إلى أَنَّ المرحلة المقبلة لا تحتمل أَي مُسَايَرَة أَو تسويات كما كان يحصل في السابق، مُعتَبِرًا أَنَّ المطلوب اليوم هو الحسم والجزم في تنفيذ حصرية السلاح، وهو ما تريده الإِدَارَة الأَميركِيَّة التي تتابع الملف اللبناني عن كثب.
وكَشَفَ أَنَّ الرئيس الاميركي دونالد ترامب يولي اهتمامًا مُبَاشَرًا بِمِلَفَيّ إِيران وحزب الله، وهما في صلب المتابعة اليومية للسفير الأَميركِيّ في بيروت، بالتنسيق مع وزير الخارجية ماركو روبيو.
وحَذَّرَ العريضي مِن أَنَّ إِسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع للقيام بعمليات عسكرية واسعة، وهي تواصل اعتداءاتها اليومية، مُشيرًا إلى أَنَّ لبنان بات في موقع الانتظار، إِذ لا استثمارات ولا ثقة دولية في ظل غياب دولة مركزية قوية وجيش واحد.
واعتَبَر أَنَّ ملف إِعمَار الجنوب مرتبط مباشرة بحصرية السلاح، لافِتًا إلى أَنَّ المساعدات القطرية التي أُثيرَ حولها الكثير من اللغط كانت محددة وواضحة، كما أَكَّدَ رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر عدم وجود أَيّ هبات مخصصة لِإِعمَارِ الجنوب خارج الإِمكانات المُتَواضِعَة المُتَاحَة.
وأَكَّدَ أَنَّ القلق يتزايد في حال لم يُصَار إلى الإِسراع في تنفيذ خطة حصرية السلاح، إِذ إِنَّ الإِدَارَة الأَميركِيَّة، خصوصًا الرئيس ترامب، يريد انجازًا سَرِيعًا وحاسمًا، مُحَذِّرًا مِن أَنَّ أَيّ تأخير قد يفتح الباب أَمَامَ تصعيد عسكري إِسرائِيلِيّ مُدَمِّر.
وقال العريضي: الرهان اليوم هو على الجيش اللبناني، على زيارة قائده إلى واشنطن وعلى الاتصالات اللبنانية الأَميركية، باعتبار أَنَّ ما سيبنى على هذه الزيارة سيكون مفصليًّا في رسم المرحلة المقبلة.