بعد اجتماعات عدة عقدتها لجنة الميكانيزم، برزت تساؤلات جدية حول مصير هذه اللجنة ودورها المستقبلي، لا سيما عقب تعيين رئيس مدني للوفد اللبناني هو السفير سيمون كرم. فقد بدا أَنَّ عمل اللجنة تعطل في خلال الفترة الماضية نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمها التناقض الواضح في المواقف بين الجانبين اللبناني والإِسرائيلي حيال مسألة انتهاء عمل الجيش في منطقة جنوب الليطاني، إضافة إلى الخلافات العميقة حول البنود المطروحة على طاولة البحث وآليات مقاربتها.
وأَمَامَ هذا الواقع، يطرح أَكثر من سؤال حول الدور الذي يمكن أَن تضطلع به لجنة الميكانيزم في المرحلة المقبلة، وما إِذا كانت لا تزال قادرة على أَداء مهمتها الأَساسية أَم أَنَّهَا باتت تقترب من نهاية عملها، خصوصًا في ظل استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وتصاعد الخروقات من دون أَيِّ مؤشرات جدية على التزام إسرائيل بتعهداتها أَو احترام ترتيبات وقف إِطلاق النار.
في هذا الإِطَار، أَوضَحَ العميد الركن الطيار المُتقَاعِد بسام ياسين أَنَّ "الميكانيزم" أُنشئت أَسَاسًا لتكون الالية المعنية بمتابعة ترتيبات وقف إِطلاق النار المُوقع في 27 تشرين الثاني 2024، والذي ينص على التزامات متبادلة بين لبنان وإسرائيل، على أَن تتولى "الميكانيزم" التحقق من تنفيذ هذه الالتزامات من الطرفين. غير أَنَّ انطلاقة عملها جاءت متأخرة أَكثَر من شهر وبطريقة ملتبسة، ما انعكس سلبًا على فعاليتها منذ البداية.
وأَشَارَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ الدور المفترض للميكانيزم كان يقتضي توثيق الخروقات ومعالجتها من الجانبين والعمل على تنفيذ متوازن ومتزامن لترتيبات وقف إِطلاق النار، إِلَّا أَنَّ ذلك لم يحصل. وقال صراحة إِنَّ الميكانيزم تحولت إِلى أَكثَر من شاهد زور على ما يحصل على الأَرض، سواء لجهة الخروقات الإِسرائيلية أَو الالتزام اللبناني.
ولفت ياسين إِلى أَنَّ الجانب اللبناني نَفَّذَ القسم الأَكبَر مما هو مطلوب منه، خصوصًا في منطقة جنوب الليطاني، ولم تسجل انتهاكات جدية لوقف اطلاق النار من قبله، في حين تجاوز عدد الخروقات الإِسرائيلية 3500 خرق برًا، بَحرًا وجوًا، فَضلًا عن الاعتداءات اليومية التي لم يتصد لها اعضاء "الميكانيزم" ولم يتخذوا إِجراءات عملية حيالَها.
وقال إِنَّ دور "الميكانيزم" انحصر لاحقًا في كونها منصة تفاوض مباشر أَو غير مباشر بين لبنان وإِسرائيل، من دون أَن تنجح في لجم الاعتداءات أَو الحد منها أَو التمهيد الجدي لمحادثات فعالة، واصِفًا هذا الدور بالمحدود جِدًّا. وكشف عن توجه أَميركيّ سابق لحصر عمل الميكانيزم بثلاثة أَطرَاف هي الولايات المتحدة، لبنان وإِسرائيل، مقابل إِصرَار الجانب اللبناني على حضور فرنسا والامم المتحدة كمراقبين وشهود على ما يحصل.
واعتبر ياسين أَنَّ الميكانيزم تَحَوَّلَت من لجنة عسكرية تحقق في تنفيذ الترتيبات إِلى ما يشبه منصة تفاوض مدنية، مؤكِّدًا أنَّهَا لم تقم يُومًا بالدور المطلوب منها، لا سابقًا ولا حاليًا ولا يتوقع أَن تكون قادرة مستقبلًا على أَداءِ هذا الدور.
ورأى أَنَّ المرحلة المقبلة تتطلب البحث عن ترتيبات جديدة، قد تشمل قوة فصل أَو آلية أَكثَر صرامة قادرة على إلزامِ الأطراف بوقفِ إطلاقِ النار.
وفي ما خص خطة شمال الليطاني، حَذَّرَ ياسين من أَنَّ الصورة قاتمة، مُعتَبِرًا أَنَّ الأَهداف المطروحة تتجاوز مسألة الترتيبات الأَمنِيَّة لتصل إِلى فرض وقائع سياسية كبرى على لبنان.
وخلص إِلى القول إِنَّ الميكانيزم لم تعد تحقق الغرض الذي انشئت من أَجلِهِ وهي عمليًا أَكثَر من شاهد زور، في ظل غياب أَيّ وسيلة فاعلة لإِجبَارِ إِسرائيل على الالتزام بتعهداتها ووقف اعتداءاتها والانسحاب من الأَراضي المحتلة.
وأَكَّدَ العميد الركن الطيار بسام ياسين، في ختام مواقفه، أَنَّ الاهداف الاسرائيلية، بدعم أَميركيّ، في المرحلة الحالية باتت واضحة وهي تتجاوز مسألة تطبيق ترتيبات وقف إِطلاق النار أَو معالجة الخروقات، لتصل إِلى السعي لفرض مسار يقود إِلى اتفاق سلام مع لبنان وإِنهَاءِ دور المقاومة. واعتَبَرَ أَنَّ ما يحصل يندرج في إِطَارِ محاولة تصفية حزب الله بشكل كامل ومنعه من امتلاك أَيّ قدرة عسكرية أَو أَمنِيَّة، بدعم سياسي واقليمي واضح. وأَشَارَ إِلى أَنَّ هذه الأهداف لم تتحقق عبر المسار الدبلوماسي في خلال الاشهر الماضية، ما يفتح الباب، برأيه، على احتمالات تصعيد خطيرة في المرحلة المقبلة، في ظل انسدادِ أُفُق التفاوض وغياب أَيّ التزام إِسرائيلِيّ فعليّ بتنفيذ تعهداته.

