أَثَارَت جولة السفير الأَميرِكِيّ في لبنان ميشال عيسى إلى مرفأ بيروت وإشادته بسير العمل والإجراءات التشغيلية المعتمدة، وما سبقها من زيارة قام بها إلى مؤسسة كهرباء لبنان، جملة من التساؤلات حول أبعادها ودلالاتها في توقيت سياسي واقتصادي بالغ الحساسية.
فالمرفأ الذي لطالما تُدَاوَل بوصفه مركزًا للتهريب، الهدر والفساد يشكل ركنًا أسَاسِيًّا في أَيَّ خطة لِإِعادة النهوض الاقتصادي فيما تمثل مؤسسة كهرباء لبنان واحدة من أبرز صور الهدر المنهجي. إِذ تعود إليها نسبة كبيرة من الديون المتراكمة على الدولة اللبنانية نتيجة سوء الإِدارة والفساد المستمر.
من هنا يطرح السؤال عما اذا كانت هاتان الجولتان تندرجان حَصرًا في إطار الاهتمام الاقتصادي والإصلاحي أَم أَنَّهُمَا تحملان أَيضًا رسائل سِيَاسِيَّة وأَمنِيَّة تتصل بملفات الرقابة ودور الدولة في ضبط مرافقها الحيوية.
في هذا السياق، أَوضَحَ الصحافي نبيل بو منصف أَنَّ هاتين الزيارتين تندرجان في سياق تعارف السفير عيسى على المواقع الاقتصادية والخدماتية الأَساسية في لبنان لا سيما تلك التي تشكل ركائز حيوية للاقتصاد الوطني.
ولَفَت عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ اختيار مرفأ بيروت ومؤسسة كهرباء لبنان يعكس تركيزًا أَميركيًا على مفاصل أَساسية تعاني من الهدر والفساد وتحتاج إلى إِصلاحَات جذرية.
وأَشَارَ بو منصف إلى أَنَّ مرفأ بيروت يشكل نقطة ارتكاز أساسية في أي عملية لِإِعادة الانعاش الاقتصادي بعد الكارثة الكبرى التي أَصابته جراء انفجار 4 آب. كما انه يمثل عنصرًا محوريًّا في ضبط الأَمنِ الاقتصادي ومنع التهريب.
وقَالَ إِنَّ الاهتمام الأَميركي بالمرفأ لا يقتصر على الجانب الاقتصادي بل يشمل أَيضًا البعد الأمني لا سيما في ما يتعلق بتركيب أجهزة المسح والكشف ومنع الأَنشِطَة غير الشرعية.
وفي ما خص زيارته إلى مؤسسة كهرباء لبنان، قال بومنصف إِنَّ السفير طرح أسئلة دقيقة حول الأَضرار التي لحقت بالمؤسسة نتيجة الانفجار وحول أسباب التأخير في ترميم المبنى وإعادة تأهيله على الرَّغمِ مِن مرور سنوات على الكارثة ما يعكس متابعة تفصيلية لواقع هذه المؤسسة التي تُعَدّ مِن أَبرز مصادر الهدر المالي في الدولة.
ورَأَى أَنَّ هذه الجولات تعكس توجهًا أَميرِكِيًّا لتقييم ما إِذَا كانت الإِدَارَة السياسية الجديدة في لبنان تسير فعلًا في مسار إصلاح مؤسساتي جدي بما يفتح الباب أَمامَ تَحضِير مساعدات دولية مستقبلية للبنان، مُؤكِّدًا أَنَّ الولايات المتحدة تربط أَي دَعِم اقتصادي بمدى الاقتناع بوجود مسار إصلاحي فعلي وقابل للاستمرار.
ولَفَتَ بو منصف إلى أَنَّ للسفير الأَميركي بُعدًا شَخصِيًّا في تعاطيه مع مرفأ بيروت إِذ سبق له أَن زَارَهُ في شبابه ما يمنحه حساسية خاصة تجاه هذا الموقع الحيوي وهو ما ينعكس في تقاريره التي يرفعها إلى إِدارته حول أَهلية لبنان للحصول على الدعم، شرط اقتناع الإِدَارَة الأَميركية بأن لبنان يسير بشكل فعلي في المسار الاصلاحي.
كما ذكر أَنَّ رئيس الحكومة نواف سلام كان قد قام قبل أسابيع بجولة مماثلة في مرفأ بيروت وأظهر اهتِمَامًا كَبيرًا بتفاصيل إعادة الترميم والتنشيط الاقتصادي ما يعزز الانطباع بوجود توجه رسمي لِإِعادة الاعتبار إلى هذا المرفق.
وشَدَّدَ بو منصف على أَنَّ البعد الاقتصادي للزيارة لا ينفصل عن الأَبعاد الأَمنية والسياسية، معتبرًا أَنَّ كل هذه الملفات مترابطة وأَنَّ نجاح الإِصلاح في المرافق الاقتصادية الأَساسية كفيل باعادة تحريك عجلة الاقتصاد اللبناني.
وذكر أَنَّ مرفأ بيروت وحده قادر مستقبلًا على تحريك جزء كبير من الاقتصاد الوطني إذا ما استكملت فيه ورشة الاصلاح والتحديث.
وختم بو منصف: إعادة تأهيل مرافئ بيروت، طرابلس، صيدا وصور تشكل ركيزة استراتيجية لمنافسة مرافئ المنطقة في ظل وجود مرافئ قوية في دول الجوار وأَنَّ هذه المرافئ تمثل مصادر أَساسية للاقتصاد اللبناني شرط تحصينها بالإصلاح والإدارة السليمة.

