January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

السلاح الفلسطيني في لبنان… بين تصحيح المسار وبسط سلطة الدولة

لم تعد خطة حصر السلاح في لبنان محصورة بسلاح حزب الله وحده، بل باتت تشمل، وفق مقاربة الدولة اللبنانية، كل سلاح خارج إطار الشرعية، أيًّا كان مصدره أو غطاؤه السياسي أو العقائدي. وفي هذا السياق، يبرز ملف السلاح الفلسطيني داخل المخيمات كأحد أكثر الملفات حساسية، تاريخيًا، سياسيًا وأمنيًا، بعدما شكّل لعقود طويلة عامل توتّر دائم ودفع لبنان أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره، من دون أن يخدم، في المحصلة، القضية الفلسطينية بمعناها الحقيقي.

فالسلاح الفلسطيني، الذي رُفع يومًا تحت شعار "تحرير فلسطين"، لم ينجح في تحقيق هذا الهدف، بل تحوّل في محطات كثيرة إلى عبء مزدوج: عبء على لبنان الذي تضرّر أمنًا، اقتصادًا وسيادةً، وعبء على الفلسطينيين أنفسهم الذين ظلّوا رهائن صراعات داخلية وإقليمية لا تمتّ بصلة مباشرة لحقوقهم الوطنية والإنسانية.


في الآونة الأخيرة، ونتيجة تفاهمات واضحة بين الدولة اللبنانية والقيادة الفلسطينية الشرعية، أُطلق مسار سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات على مراحل ودفعات، في خطوة وُصفت بأنها تصحيح لمسار طويل من الفوضى الأمنية.


وبالفعل، بدأ الجيش اللبناني في خلال الأشهر الماضية باستلام السلاح التابع لحركة حركة فتح وبعض الفصائل الأخرى وفق خطة مرحلية. 


هذه الخطوات عكست قناعة فلسطينية متزايدة بأن وجود السلاح داخل المخيمات لم يعد يخدم القضية الفلسطينية، بل يسيء إليها، ويضع اللاجئين في مواجهة مباشرة مع الدولة اللبنانية ومع محيطهم الاجتماعي.


وعلى الرَّغمِ مِن تأكيد مسؤولين فلسطينيين، بينهم مسؤول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أن الفصائل لا تملك سلاحًا ثقيلًا داخل المخيمات، فإن الوقائع الميدانية تُظهر صورة أكثر تعقيدًا. فالسلاح الموجود لا يقتصر على بنادق فردية، بل يشمل تجهيزات وقدرات تتجاوز التعريف التقليدي لـ"السلاح الخفيف"، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول حجم الترسانة الفعلية المتبقية.


الأكثر إشكالية، هو امتناع فصائل إسلامية، وعلى رأسها حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، عن تسليم سلاحها، لا سيما في مخيمات جنوب نهر الليطاني، وفي مقدّمها مخيم الرشيدية. هذا الرفض، الذي اتخذ طابعًا سياسيًا واضحًا، فاقم الاستياء الرسمي اللبناني إلى مستويات غير مسبوقة، باعتباره خرقًا صريحًا لقرار الحكومة اللبنانية وللاتفاق اللبناني – الفلسطيني.


وقد ذهبت هذه الفصائل إلى ربط تسليم السلاح بملفات أوسع تتعلق بالحقوق والمطالب الفلسطينية، في محاولة لنقل النقاش من إطاره الأمني السيادي إلى بازار سياسي، في حين أن الدولة اللبنانية تعتبر أن مسألة السلاح أمر أمني بحت لا يخضع للمقايضة.


صحيح أن الحوار يجب أن يبقى سيد الموقف بين الدولة اللبنانية والفلسطينيين، لكن هذا الحوار لا يمكن أن يكون مفتوحًا بلا ضوابط. فالمبدأ واضح: سحب كل السلاح، بما فيه السلاح الخفيف، بسط سلطة الدولة اللبنانية الكاملة على المخيمات والدخول إليها باعتبارها أراضي لبنانية تخضع للقانون اللبناني، لا الاكتفاء بإقامة حواجز على مداخلها وترك الداخل خارج السيطرة.


فأمن المخيمات ليس من مسؤولية الفصائل، بل من صلب مهام الدولة اللبنانية، التي تُعدّ الجهة الوحيدة المخوّلة حماية اللاجئين وضمان استقرارهم، تمامًا كما تحمي سائر المناطق اللبنانية.


في المقابل، لا يمكن اختزال ملف المخيمات الفلسطينية بالسلاح وحده. فنجاح أي حل مستدام يفرض فتح نقاش جدي ومتوازن حول الحقوق الإنسانية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان، بما يضمن كرامتهم ويخفف من هشاشتهم الاقتصادية والمعيشية، من دون أن يمسّ بالسيادة اللبنانية أو يفتح أبواب التوطين المقنّع.


سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات هو خطوة ضرورية في مسار استعادة الدولة لقرارها الأمني، وتصحيح علاقة تاريخية شابها الكثير من الالتباس. أما التحدي الحقيقي، فيكمن في استكمال هذا المسار بلا استثناءات، بلا ازدواجية، بلا رهانات خارجية، وصولًا إلى معادلة واضحة: دولة واحدة، سلاح واحد وسلطة واحدة… تحفظ أمن لبنان وكرامة الفلسطينيين في آنٍ معًا.