January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

هل أعطى ترامب الضوء الأخضر لنتنياهو لشنّ حرب جديدة على لبنان؟

بين التطمينات السياسية والرسائل المبطّنة، يقف لبنان مجددًا أمام سؤال وجودي: هل نحن على أبواب حرب جديدة أم أمام جولة ضغط سياسي وأمني محسوب؟

ففي الوقت الذي نقل فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون من بكركي قبيل قداس عيد الميلاد أجواء تفاؤل حذِر، مشيرًا إلى تراجع شبح الحرب وسير الأمور على هوامش إيجابية، جاء كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمّته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعيد خلط الأوراق ويطرح علامات استفهام ثقيلة حول المرحلة المقبلة.


عندما سُئل ترامب عمّا إذا كان على إسرائيل مهاجمة حزب الله بعد الإخفاق في اتفاق وقف الأعمال العدائية، لم يُعطِ جوابًا مباشرًا، بل قال: الحكومة اللبنانية في وضع غير مؤاتٍ بعض الشيء وحزب الله يتصرّف بشكل سيّئ، سنرى ماذا سيحدث.


هذا الجواب، على الرغم من اختصاره، لم يكن عابرًا. فالرئيس الأميركي تعمّد ترك المسألة مفتوحة، من دون نفي أو تأكيد، وهو أسلوب اعتادت عليه الإدارات الأميركية عندما تريد إبقاء الضغط قائمًا من دون تحمّل كلفة إعلان قرار صريح.

 

الشقّ الأول من كلام ترامب، المتعلّق بالحكومة اللبنانية، فُهم على أنّه رسالة مباشرة إلى بيروت. فواشنطن ترى أنّ الدولة، على الرغم من إعلانها الواضح التزام حصرية السلاح ووضع هذا العنوان في بيانها الوزاري، لم تنجح بعد في ترجمة هذا الالتزام عمليًا.

 

وعلى الرغم من كل الخطوات التي أُعلن عنها، من تعيين السفير سيمون كرم، إلى محاولات تفعيل القنوات السياسية والأمنية، يبقى التقييم الأميركي أنّ الحكومة "غير مؤاتية" لتنفيذ قرار بحجم حصرية السلاح، ما يعني أنّ عامل الوقت لا يعمل لمصلحتها.

 

أمّا توصيف ترامب لسلوك حزب الله، فقد حمل في طيّاته بعدًا أخطر. فالبعض قرأه على أنّه ضوء أخضر غير معلن لنتنياهو لمواصلة الضربات، تحت عنوان الردّ على "سلوك سيّئ".

 

في المقابل، ذهب محلّلون آخرون إلى اعتبار العبارة بمثابة غطاء سياسي أميركي لأيّ تصعيد أكبر، وصولًا إلى حرب شاملة إذا قرّرت إسرائيل أنّ الظروف الميدانية والسياسية باتت ناضجة، خصوصًا في ظل عجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها الكاملة.

 

في هذا السياق، يبرز التباين الواضح بين الخطاب الداخلي والخطاب الدولي. فالتفاؤل الذي عبّر عنه الرئيس عون من بكركي مفهوم وضروري لطمأنة اللبنانيين في مرحلة دقيقة، لكنه يصطدم بواقع إقليمي متقلّب، حيث لا تزال الحدود الجنوبية ساحة اختبار ولا تزال الرسائل الإسرائيلية تُكتب بالنار أكثر مما تُكتب بالبيانات.

 

أمام هذا المشهد، يقف لبنان بين سيناريوهين:

الأول: استمرار الضغط الأميركي – الإسرائيلي على شكل ضربات ورسائل عسكرية، هدفها فرض وقائع جديدة ودفع الدولة اللبنانية إلى خطوات أسرع وأكثر جرأة.

الثاني: انزلاق غير محسوب إلى مواجهة أوسع، في حال رأت إسرائيل أنّ الوقت مناسب لتغيير قواعد الاشتباك، مستندة إلى غطاء سياسي دولي غير مُعلن.

 

لم يمنح ترامب نتنياهو "الضوء الأخضر" بشكل صريح، لكنه لم يُطفئ الإشارة الحمراء أيضًا. ترك القرار معلّقًا بين "سنرى" و"ماذا سيحدث"، رابطًا أيّ تطوّر بأداء الحكومة اللبنانية وسلوك حزب الله.

 

وفي بلد اعتاد أن يكون ساحة لتصفية الرسائل الإقليمية، يبقى الخطر قائمًا: فالتطمينات، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لإبعاد شبح الحرب، ما لم تُرفق بقرارات حاسمة تُخرج لبنان من موقع المتلقّي إلى موقع الفاعل في حماية استقراره وسيادته.