أعاد كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أَمس، الرافض بشكلٍ قاطع تسليم سلاح الحزب "ولو أطبقت السماء على الأرض" على حدّ قوله، خلطَ الأوراق داخليًا وخارجيًا، وفتح بابًا واسعًا من القلق السياسي والدبلوماسي، في توقيتٍ بالغ الحساسية يمرّ به لبنان، وسط مساعٍ دولية حثيثة لتجنيبه ضربةً عسكرية قد تكون الأقسى منذ سنوات.
تصريحات قاسم، التي شدّد فيها على أنّ سلاح الحزب باقٍ مهما كانت الضغوط، ومهما "اجتمعت الدنيا بحربها على لبنان"، اعتبرتها قوى سياسية لبنانية بمثابة منح ذريعة مجانية لإسرائيل للمضي في تصعيدٍ عسكري واسع، قد يستهدف ما تبقّى من قدرات الحزب العسكرية، ويضع لبنان بأسره في قلب مواجهة لا قدرة له على تحمّل كلفتها.
في الداخل، ساد استياء واضح لدى عدد من القوى السياسية التي رأت في هذا الخطاب انفصالًا كاملًا عن الواقع اللبناني، في لحظةٍ يُفترض فيها خفض منسوب التوتر لا رفعه وتقديم إشارات تهدئة لا مواقف تحدٍّ مفتوحة. وبرأي هذه القوى، فإن الإصرار العلني على التمسّك بالسلاح، بصيغة تحدٍّ شاملة، لا يخدم لبنان ولا يحميه، بل يضعه مجددًا في مرمى الحسابات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، استغرب مصدر دبلوماسي رفيع عبر مِنصّة "بالعربي" توقيت كلام قاسم تحديدًا، معتبرًا أنّه يأتي في لحظة تعمل فيها دول صديقة للبنان على تجنيبه خطر ضربة عسكرية يُتداول بإمكان حصولها مع مطلع العام المقبل. وقال المصدر إن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الموقف، بل في الخطاب نفسه الذي يوحي بأن الحزب يعيش خارج الواقع، ويصرّ على تجاهل موازين القوى والظروف الدولية المستجدّة. أضاف: هذا النوع من التصريحات يقدّم لإسرائيل الحجة التي تبحث عنها، ويُسقط أي محاولة دولية للدفاع عن لبنان أو لجم التصعيد.
بين نتنياهو وترامب… الحسابات مفتوحة
وبحسب المصدر الدبلوماسي، فإن التصعيد في لبنان سيكون حاضرًا على طاولة البحث في الاجتماع المرتقب، نهاية الشهر، بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي حال حصل نتنياهو على ضوء أخضر أميركي، فإن لبنان عمومًا، وحزب الله خصوصًا، "لن يكونا بمأمن عمّا قد يحصل".
الأخطر، وفق المصدر نفسه، أنّ أي تصعيد محتمل قد لا يُقابل هذه المرة بضغوط دولية جدّية على واشنطن أو تل أبيب، إذ ستكون الحجة جاهزة: إصرار الحزب العلني على التمسّك بسلاحه، على الرَّغمِ مِن كُلِّ التحذيرات، في وقتٍ بات فيه هذا السلاح، بحسب توصيف المصدر، "غير قابل للاستخدام الفعلي في ميزان المواجهة المقبلة".
ما بين خطابٍ مرتفع السقف وواقعٍ إقليمي ودولي شديد التعقيد، يجد لبنان نفسه مرةً جديدة رهينة مواقف أحادية لا تراعي هشاشة وضعه ولا كلفة المغامرة عليه. فبينما يسعى أصدقاء لبنان إلى تحييده عن نار المواجهة، يأتي كلام من هذا النوع ليعيده إلى قلب العاصفة ويضعه أمام احتمالات مفتوحة على الأسوأ.
لا يبدو أن السؤال اليوم هو عن السلاح بحدّ ذاته، بل عن مَن يدفع ثمن التمسّك به، كيف ومتى. والأخطر أنّ هذا الثمن، إذا فُرض بالقوة، لن يطال حزبًا واحدًا، بل بلدًا بأكمله.