رغم كل الوعود التي أغدقتها الحكومات المتعاقبة بشأن تحديث الإدارات الرسمية ومكننتها، لا يزال المواطن يواجه المشهد نفسه منذ عقود: طوابير انتظار أمام الدوائر، موظفون يدوّنون على دفاتر ورقية مهترئة، أختام بالجملة، ومعاملات تحتاج إلى عشرات التواقيع لتكتمل.
مشهد لا يعكس تخلّفًا إداريًا فحسب، بل يختصر فشل الدولة في بناء جهاز حديث وشفّاف قادر على خدمة الناس بعيدًا عن الفوضى والسمسرة.
ففي لبنان، يكفي أن يبدأ المواطن معاملة بسيطة حتى يدخل في "رحلة" طويلة بين الطوابق والمكاتب: توقيع هنا، ختم هناك، استفسار في مكتب ثالث، وورقة مفقودة في مكتب رابع. وبينما تتفاخر دول العالم بإنجاز معاملاتها إلكترونيًا خلال دقائق، يُجبَر اللبناني على تمضية ساعات وربما أيام لإتمام ورقة واحدة. المعاملة التي يُفترض أن تكون مسارًا واضحًا تصبح سلسلة متشابكة من التواقيع التي لا يدرك المواطن معناها، لكنها لا تُفتح أمامه إلا حين يلوّح بـ"الإكرامية" أو يلجأ إلى السمسار.
المفارقة أنّ الإدارات الرسمية ما زالت تعمل كما لو أنّ الزمن توقف عند حقبة الورق والدفاتر. ورقة تُضيّع معاملة، دفتر يُمزّق، توقيع يُضاف أو يُلغى دون أثر. هذه الورقية ليست تفصيلًا، بل منظومة كاملة تُسهّل الفساد وتجعله جزءًا من العمل اليومي. فحين تغيب الرقمنة، تغيب الرقابة، وتصبح كل خطوة قابلة للتبديل أو التلاعب أو التأخير المتعمّد.
وفي ظل هذا الواقع، تزدهر "اقتصادات موازية" داخل المؤسسات. فخارج الدوائر، تتحوّل الكافيتيريا وأكشاك التصوير إلى جزء من العملية الرسمية نفسها. طباعة ورقة واحدة قد تصل كلفتها إلى مئة ألف ليرة في محيط الدائرة، فيما يمكن طباعة الورقة ذاتها خارج المنطقة بنصف أو بثلث الثمن. أمّا السماسرة، فحاضرون في كل زاوية، يعرضون "خدمة" إنجاز المعاملة مقابل مئة دولار على الأقل، وكأن حقّ المواطن تحوّل إلى امتياز لمن يدفع أكثر. السمسار ليس انحرافًا عابرًا؛ هو النتيجة الطبيعية لعجز الإدارة عن تبسيط إجراءاتها وغياب نظام واضح يمكّن المواطن من إنجاز معاملاته من دون وسطاء.
ورغم محاولات بعض الوزارات إطلاق منصّات إلكترونية، إلّا أنّ هذه المبادرات بقيت شكلية لا تمسّ جوهر المشكلة. صحيح أنّ المواطن بات قادرًا أحيانًا على حجز دور عبر الإنترنت، لكنه يظل مضطرًا للذهاب شخصيًا إلى الدائرة، وتقديم أوراقه يدويًا، وانتظار التواقيع نفسها التي كان ينتظرها قبل إطلاق المنصّة. ورغم انتشار الدفع الإلكتروني عالميًا، لا تزال خزينة الدولة تعتمد الدفع المباشر على "الكاونتر"، حيث يضيع الوقت وتتلاشى الشفافية وتغيب المحاسبة.
وفي هذا السياق، عبّر المحامي أمين بشير عبر منصّة "بالعربي" عن أسفه لغياب أي مؤشّر حقيقي على تحسّن أداء الإدارات الرسمية في العهد الجديد، رغم الآمال التي رافقت وصول الحكومة برئاسة القاضي نواف سلام، والتي كان يُنتظر منها أن تكون أقرب إلى وجع الناس ومعاناتهم داخل الدوائر الرسمية.
وأشار بشير إلى أنّ اللبنانيين لم يلمسوا حتى الآن أي تغيير جدّي في نمط العمل الإداري، رغم الجولات التفقدية التي قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى عدد من المؤسسات والتي أوحت بانطلاق ورشة إصلاح حقيقية. غير أنّ الوقائع، كما يقول، أثبتت أنّ البلاد لا تزال غارقة في البيروقراطية ذاتها، وفي الأسلوب نفسه، وفي التعاطي ذاته الذي يرهق المواطنين ويحبطهم.
ولفت إلى أنّ كلفة إنجاز المعاملات لا تقع على الدولة وحدها، بل يتحمّلها المواطن من وقته وصحّته وإرهاقه اليومي، في بلد يطمح ليكون وجهة سياحية واستثمارية، بينما معاملة واحدة قد تستنزف يومًا كاملًا — إن اكتملت أصلًا.
وشدّد بشير على أنّه لم تظهر حتى اللحظة أي خطة واضحة أو خريطة طريق تؤسس لقيام حكومة إلكترونية تليق بطموحات اللبنانيين، ولا خطوات عملية في اتجاه تحديث الإدارات وتبسيط الإجراءات. وقال بمرارة: "بتنا نستعيذ من الشيطان كلما احتجنا لإنجاز معاملة…" في إشارة إلى حجم التعقيدات واللامبالاة.
ودعا الوزراء إلى التخلي عن الخطابات الفولكلورية والمؤتمرات الشكلية، والنزول فعليًا إلى المؤسسات لمعاينة أوضاعها، وتحديد حاجاتها، ومحاسبة المقصّرين، معتبرًا أنّ أي إصلاح حقيقي يبدأ من رفع الإنتاجية وتحديث الإدارة، بما يفتح الباب أمام خلق فرص العمل وخدمة المواطنين بكرامة.