21 مليار دولار هي حجم الخسائر التراكمية التي تكبّدها لبنان نتيجة الحروب منذ عام 2023 حتى اليوم، بحسب التقديرات الأخيرة، في وقت لا يتجاوز فيه التمويل المتوافر حاليًا لإعادة الإعمار نحو 300 مليون دولار فقط، أي أقل بكثير من حجم الفجوة المطلوبة لإنقاذ بلد يعيش أصلًا واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والمالية.
ومع استمرار الحرب واتساع رقعة الدمار، تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن تحمل كلفة إعادة الإعمار، خصوصًا أن موازنتها السنوية لا تتجاوز 5 إلى 6 مليارات دولار، فيما يحتاج لبنان إلى أكثر من 20 مليار دولار لإعادة بناء البنى التحتية والمنازل والمؤسسات المتضررة، وسط غياب دعم عربي ودولي فعلي حتى الآن.
في هذا الإطار، أكد مدير المركز العربي للأبحاث ووزير البيئة السابق ناصر ياسين أن الخسائر التراكمية للحروب التي شهدها لبنان منذ عام 2023 حتى اليوم تُقدر بحوالي 21 مليار دولار، وقد تكون مرشحة للارتفاع، موضحًا أن التقييم الذي أُنجز أواخر عام 2024 بالتعاون مع البنك الدولي قدر الأضرار والخسائر حينها بنحو 14 مليار دولار، فيما تشير التقديرات الأولية للحرب الحالية إلى ما يقارب 7 مليارات دولار إضافية.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هذا الرقم يبقى أوليًا، لأن الحرب لا تزال مستمرة، ولأن الوصول إلى عدد كبير من المناطق المتضررة ما زال صعبًا، فضلًا عن استمرار عمليات التدمير في القرى والبلدات الحدودية، ما يعني أن الكلفة النهائية قد تكون أعلى من ذلك.
وفي ما يتعلق بملف إعادة الإعمار، لفت ياسين إلى أن هذا الملف لا يزال متوقفًا فعليًا، موضحًا أنه منذ حرب خريف 2024 لم تحصل خطوات جدية على الأرض، باستثناء بداية محدودة لرفع الركام في الضاحية الجنوبية وبعض المناطق، إضافة إلى وضع آليات أولية للتعويضات ولإعادة إعمار الوحدات السكنية، من دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
وأضاف أن القرض الوحيد الذي تم التفاوض عليه من قبل الحكومة السابقة وأُقر لاحقًا هو قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، مخصص لإعادة تأهيل البنى التحتية والمؤسسات المتضررة، ومعالجة الأضرار البيئية، ورفع الركام، إلا أن هذا المشروع لم يبدأ تنفيذه بعد، ولا يزال في طور التحضير.
كما أوضح أن الحكومة السابقة كانت قد خصصت نحو 11 مليون دولار لعمليات رفع الردم، فيما رصدت الحكومة الحالية في الموازنة نحو 50 مليون دولار لتغطية الاحتياجات الأساسية، معتبرًا أنّ هذه الأرقام تبقى محدودة جدًا قياسًا إلى حجم الأضرار الفعلية.
وشدد ياسين على أن الفجوة التمويلية ضخمة جدًا، إذ إنّ الحاجة الفعلية لإعادة الإعمار تتجاوز 20 مليار دولار، بينما لا يتعدى التمويل المتوافر حاليًا نحو 300 مليون دولار، ما يُظهر الهوة الكبيرة بين المطلوب والإمكانات المتاحة.
ورأى أن قدرة الدولة اللبنانية على تمويل إعادة الإعمار من الداخل شبه مستحيلة في ظل الظروف الحالية، مشيرًا إلى أن الناتج المحلي اللبناني لا يتجاوز 35 مليار دولار، فيما تتراوح الموازنة العامة بين 5 و6 مليارات دولار، وهي بالكاد تكفي لتغطية النفقات التشغيلية ورواتب القطاع العام، في وقت لا تزال فيه الدولة تواجه فجوة مالية كبيرة والتزامات ديون متراكمة.
وأكد أن أي مسار جدي لإعادة الإعمار سيبقى مرتبطًا بالحصول على تمويل خارجي، إلا أن هذا التمويل سيكون صعب المنال في ظل الواقع الحالي، سواء بسبب ضعف المؤسسات، أو التأخر في الإصلاحات المالية والإدارية، أو نتيجة ارتباط الملف بالمسار السياسي وبطبيعة التسوية التي قد تنهي الحرب.
وأشار إلى أن الوضع اليوم يختلف كليًا عمّا كان عليه بعد حرب تموز 2006، حين حصل لبنان على دعم عربي ودولي واسع شمل مساعدات مباشرة وودائع مالية، بينما يقتصر المشهد الحالي على قروض محدودة ومساعدات إنسانية، من دون وجود مظلة تمويلية واسعة.
وختم بالتأكيد أن أي دعم خارجي في المرحلة المقبلة سيكون مشروطًا بإصلاحات جدية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وتعزيز الاستقرار الداخلي، معتبرًا أن إعادة الإعمار تحتاج إلى ورشة داخلية كبرى، وإلى توافق سياسي وحوار داخلي، وهو ما يبدو صعبًا في ظل استمرار الحرب والانقسامات القائمة.
وعليه، يبقى ملف الخسائر وإعادة الإعمار معلقًا إلى حدّ كبير على المسار السياسي، وما إذا كانت التطورات المقبلة ستعيد ثقة المجتمع الدولي والعربي بتمويل هذا الملف الشائك.