في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر والتقلبات الحادة في الأسواق، يبرز استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار كخط الدفاع الأول لحماية المواطنين من الانزلاق المالي. هذا الاستقرار ليس مجرد رقم على شاشة السوق، بل يعكس قدرة الدولة على ضبط المالية العامة، التحكم بالإنفاق، وإعادة الثقة للاقتصاد على الرغم مِنَ الحرب الإقليمية والتوترات المتزايدة. إلا أن السؤال الأكبر يبقى: هل يمكن لهذا الاستقرار أن يصمد أمام الضغوط المتراكمة، أم أن أي هزة خارجية قد تقلب المعادلة، مهددة القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الأسواق؟ هذا التحدي يضع لبنان أمام اختبار حقيقي لقدرة سياساته المالية على الصمود.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي والخبير المالي والمصرفي الدكتور نسيب غبريل أن أي مدى يمكن أن تبقى الليرة اللبنانية مستقرة مقابل الدولار إذا استمرت الحرب، مؤكدا أن هذا المصطلح ليس دقيقا، إذ إن الليرة اللبنانية ليست مثبتة مقابل الدولار، بل هي في حالة استقرار منذ تموز العام 2023. وقال إنّ الليرة كانت مثبتة بين 1997 و2019، لكن كلفة هذا التثبيت في الفترة الأخيرة كانت مرتفعة جدا وأثقلت احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن سعر الصرف اليوم مستقر فعليا، متسائلا عن إمكانِ استمرار هذا الاستقرار إذا استمرت الحرب لفترة طويلة. وأوضح أن الحرب لها علاقة جزئية فقط باستقرار سعر الصرف، بينما العامل الأساسي هو التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية.
ولفت غبريل إلى أَنه منذ أوائل العام 2023 اتخذ مصرف لبنان قرارا بوقف تمويل الدولة وتغطية عجز الموازنة العامة، ما ساعد أولا على وقف استنزاف الاحتياطي بالعملات الأجنبية، وثانيا في إعادة تكوين جزء من هذا الاحتياطي، معتبرا أنّ استمرار التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وبالأخص السياسة المالية القائمة على ضبط المالية العامة، تقليص العجز وزيادة الإيرادات، هو أساس استقرار سعر الصرف ضمن سياسات اقتصادية سليمة.
وبيّن أن التحكم بحجم الكتلة النقدية، إلى جانب عدم زيادة النفقات العامة وعدم الهدر في المالية العامة، يضمن استقرار الليرة بشكل طبيعي، مؤكدا أنّ تثبيت سعر الصرف بالقوة كما كان يحصل قبل الأزمة هو حل موقت يستهلك الاحتياطات، بينما الحفاظ على استقرار طبيعي لسعر الصرف يحد من الضغوط التضخمية ويضبط الطلب على الدولار ضمن مستويات مقبولة، وهو ما يحصل اليوم بالفعل.
أما عن موضوع تراجع التحويلات المالية من المغتربين بسبب التوترات في الشرق الأوسط، فأشار غبريل إلى أنّ هناك تهويلا كبيرا بهذا الشأن، وأن التحويلات لم تتراجع بشكل حاد حتى الآن، مشيرا إلى أنه لا توجد أرقام رسمية بعد على تحويلات المغتربين في أول ثلاثة أشهر من العام 2026.
وأكد أنه تاريخيا، حتى عند تعرض دول الخليج العربي لأزمات، لم يؤثر ذلك على حجم التحويلات إلى لبنان، متحدا عن مثالين: الأزمة المالية العالمية في 2007-2008، وأزمة كورونا في 2020-2021، حيث لم تتراجع التحويلات بل ارتفعت في الحالة الأولى. وقال إنّ دول الخليج العربي، على الرغم من تأثر اقتصاداتها بالحرب القائمة، لديها المقومات والمؤسسات والبنى التحتية والقدرات للتعافي بسرعة، ولهذا السبب لا يرى غبريل خطرا على استمرار تحويلات المغتربين إلى لبنان. وأوضح أن دول الخليج تمثل نحو 45% من التحويلات، بينما تأتي الـ 55% الباقية من أميركا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا وأفريقيا.
وأشار إلى أن أي تراجع محتمل سيكون طفيفا، وأن معدل تحويلات المغتربين السنوي إلى لبنان يبلغ نحو 6.4 إلى 6.5 مليار دولار، مؤكدا أن هذا عقد خاص بين المغترب وأهله في لبنان، وسيستمر المغترب في دعم أهله على الرغم من الحرب القائمة، وإذا حدث أي تراجع، سيكون ضئيلا، وبالتالي يبقى هذا المصدر للعملة الصعبة مستمرا.
أما عن الاستقرار الحالي لسعر الصرف، وتحديدا ما إذا كان استقرارا فعليا أم مجرد توازن هش قد ينهار مع أي تصعيد جديد، فلفت غبريل إلى أنه لا يعتبره توازنا هشا. وقال إن الاستقرار الحالي ليس مبنيا على الممارسات السابقة، بل يعتمد على العمل والتنسيق مع الحكومة على فرض الانضباط المالي الدقيق لتفادي أي اهتزاز في سعر الصرف. أضاف إنّ هذا هو جوهر العمل المصرفي المركزي، حيث تتخذ القرارات بناء على الاحتياجات الاقتصادية والقانونية، وهو ما يمثل صمام أمان ضد الارتجال.
وأكد أن الهدف ليس الحفاظ على سعر صرف ثابت بأي ثمن، ولا تغطية الاختلالات في المالية العامة، بل تطبيق متدرج لسياسات سليمة، وتنظيم فعال للقطاع المصرفي، وحماية ودائع الناس التي يشكل جزء منها الاحتياطي الإلزامي لدى مصرف لبنان، شارحا أنّ المصرف المركزي ليس مضاربا أساسيا في النظام المالي اللبناني، بل هو حارس النظام المالي، يتخذ قرارات محافظة، ويعتمد سياسة منضبطة لا تميل إلى الحلول السريعة التي قد تهدد الاستقرار طويل الأمد.
غبريل بيّن أن الدفاع عن سعر صرف غير واقعي لليرة اللبنانية عبر ضخ الدولار من الاحتياطي قد يعطي انطباعا موقتا بالاستقرار، لكنه يؤدي في الواقع إلى استنزاف الموارد بدل معالجة الاختلالات، مؤكدا أنّ تجارب عدة حول العالم، وليس فقط في لبنان، أظهرت أن استقرار سعر الصرف لا يشترى من السوق، ولا يتحقق بضخ أو بيع الدولارات، بل هو نتيجة سياسات اقتصادية سليمة، تشمل ضبط المالية العامة، خفض النفقات، زيادة الإيرادات، تقليص العجز بالموازنة، استعادة الثقة داخليا وخارجيا، والتحكم بحجم الكتلة النقدية.
وفيما يتعلق بقدرة مصرف لبنان على الحفاظ على استقرار السوق عند اشتداد الضغوط الاقتصادية، شدد على أن المسؤولية ليست كلها على المصرف المركزي، مؤكدا أن ما وصل إليه الوضع في نهاية العام 2019 كان نتيجة سوء استخدام السلطة السياسية وسوء إدارة القطاع العام والمؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، وعدم تطبيق الحوكمة والإدارة الرشيدة. وتحدث عن أنّ النفقات العامة ارتفعت من 6.8 مليارات دولار في 2005 إلى 18 مليار دولار في 2018 و2019، وكل ذلك تم من دون موازنات، ما أدى إلى تفاقم العجز.
وقال غبريل إنّ السؤال الصحيح لا يجب أن يكون عن أدوات المصرف المركزي فقط، بل عن الإجراءات التي تتخذها السلطة ككل للحفاظ على استقرار السوق، مؤكدا على استمرار التنسيق بين مصرف لبنان ووزارة المالية لضبط النفقات العامة، وعدم الانجراف نحو إنفاق مفرط أو هدر، مع أولوية تحقيق توازن بين النفقات والإيرادات العامة، أو حتى تحقيق فائض أولي بالموازنة لتخفيف أي عبء على تدخل المصرف المركزي.
ولفت إلى أنه منذ مطلع 2023 اتخذ مصرف لبنان قرارا بوقف تمويل الدولة وعجز الموازنة والنفقات العامة للقطاع العام، ما ساعد على تحسن سعر الصرف لليرة اللبنانية، وبدأ إعادة تكوين احتياطياته بالعملات الأجنبية، وألزم الحكومة بالانضباط المالي عبر مراقبة النفقات وتعزيز الإيرادات، وهو ما تحقق خلال 2023 و2024 و2025، مع استمرار التنسيق بين المصرف المركزي ووزارة المالية حتى اليوم في ظل الحرب.
وأكد غبريل أن الحكومة واعية بعدم قدرتها على الاستدانة اليوم لصرف نفقات إضافية، خصوصا وأنّ باب الاستدانة من الخارج مغلق منذ قرار التعسر عن تسديد سندات اليوروبوندز في آذار العام 2020 من قبل حكومة حسان دياب. وقال إنّ المصارف المركزية ليست قادرة ولا يجب أن تمول الدولة بعد كل ما حصل، لذا يجب أن تعتمد الحكومة على الانضباط المالي، وعدم تكوين عجز في المالية العامة، وعدم زيادة النفقات بشكل مفرط، وعدم الهدر، وعدم التوظيف العشوائي، مع تعزيز الإيرادات من خلال توسيع حجم الاقتصاد وتشجيع الحركة الاقتصادية، التي بدورها تعزز الإيرادات لاحقا.
أما إذا طال أمد الحرب، فرأى أنه لا أحد يعرف إلى أي مدى ستستمر الحرب، لا في الخليج ولا في لبنان، مشيرا إلى أن هذا السؤال افتراضي. ومع ذلك، عاد غبريل إلى سنة 2023، حين كان سعر الصرف مستقرا عند 89 ألفا و500 ليرة لبنانية ابتداء من آخر تموز العام 2023، ومع اندلاع حرب الإسناد لغزة في 8 تشرين الأول العام 2023، والتي شكلت صدمة على الاقتصاد، لم يتحرك سعر الصرف وظل مستقرا، وظل مصرف لبنان قادرا على تعزيز احتياطاته بالعملات الأجنبية.
وأكد غبريل أنّه خلال توسع الحرب الإسرائيلية في أيلول العاك 2024، بقي سعر الصرف مستقرا، لكن تزاحمت احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية بمقدار 540 مليون دولار خلال آخر ثلاثة أشهر من العام 2024، نتيجة رفع سقف السحوبات وفق التعميمين 158/166، بسبب عدم وجود عرض كاف للدولار في السوق لشرائها من قبل مصرف لبنان، لكن لاحقا تم تعويض هذا المبلغ وزادت الاحتياطيات بشكل أكبر بكثير. أما اليوم، بحسب الأرقام، فقد وصلت احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى 11 مليار و560 مليون دولار حتى آخر آذار العام 2026، وهو ما يمثل تراجعا بمقدار 360 مليون و500 ألف دولار خلال أول ثلاثة أشهر من السنة، منهم 343 مليون دولار فقط في شهر آذار، مبينا أن ردة الفعل الأولى تعكس أن الحرب أدت إلى تراجع الاحتياطي في آذار، وقد يكون السبب أن جزءا من التدفقات بالعملات الصعبة من الخارج، وهو القطاع السياحي، انعدم كليا، مع تراجع الطلب على الليرة وارتفاع الطلب على الدولار، بالإضافة إلى أن مصرف لبنان لديه التزامات شهرية تشمل معظم السحوبات وفق التعميم 158/166، والتي تتجاوز 200 مليون دولار شهريا، إضافة إلى رواتب ومعاشات موظفي وعمال القطاع العام، والتي تصرف بالليرة على الحسابات، لكن المصرف يوفر دولارات للسحب.
وقال إنّه خلال العام 2024، وابتداء من أيلول، دامت الحرب شهرين، ومع توسعها بدءا من تشرين الأول العام 2023 حتى إعلان وقف العمليات العدائية في 29 تشرين الثاني العام 2024، لم يكن هناك ضغط على سعر الصرف بالرغم من التراجع في الاحتياطي بالعملات الأجنبية. وأكد أنه لا يمكن الإجابة على أسئلة افتراضية، لكن مصرف لبنان والمجلس المركزي واعيان تماما للوضع، مع علمهما بوجود طلب على الدولار وعدم وجود عرض كاف كما قبل، وأن التدفقات من الخارج من القطاع السياحي متوقفة على الأقل حاليا.
وفيما يتعلق بالانعكاس على الأسعار والقدرة الشرائية، أشار غبريل إلى أنه على الرغم من استقرار سعر الصرف، شهدنا ارتفاعا في الأسعار الشهر الماضي، مع استمرار الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، موضحا أنّ مؤشر السلع الاستهلاكية، أي مؤشر التضخم في لبنان، أظهر تراجع نسبة التضخم من 221% في العام 2023 إلى 45% في العام 2024، ثم 15% في العام 2025، وكانت أحدث الأرقام في شباط هذا العام نحو 12% على أساس سنوي. وعلى الرغم من أنها أقل من النسب السابقة، أشار إلى أن 12% ليست نسبة تضخم منخفضة، ولا يزال هناك ضغط على القدرة الشرائية، مبينا أنّ ارتفاع أسعار البترول وتكاليف الشحن في الشهر الماضي، بالإضافة إلى استفادة بعض تجار الأزمات من الوضع، أدى إلى رفع الأسعار في محطات البنزين وفي المحلات والسوبرماركت، ما شعر به المواطن بشكل ملموس. وأكد أن استقرار سعر الصرف ساعد على كبح التضخم، مشيرا إلى أن أي تقلبات في سعر الصرف، مثلما كان قبل منتصف آذار العام 2023، كانت ستؤثر على الأسعار بشكل أكبر، لكن اليوم الاستقرار يساعد على الحد من التضخم والضغط على القدرة الشرائية.
وعن احتمال عودة التقلبات النقدية إلى السوق اللبنانية، لفت إلى أنه لا يرى تقلبات كبيرة على المدى القريب في سعر صرف الليرة، مشيرا إلى أن إدارة السيولة والتحكم بحجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، التي تبلغ اليوم 66 ألف و240 مليار ليرة، أي ما يعادل 740 مليون دولار، قدرة مصرف لبنان على التعامل معها، مما يمكنه من كبح الطلب على الدولار وضبطه ضمن مستويات مقبولة.
وأكد غبريل أن هذا لا يعفي السلطة التنفيذية من اتخاذ الإجراءات اللازمة، والتي كان يجب تنفيذها العام الماضي، مثل تخفيض النفقات العامة، إغلاق أكثر من 90 مؤسسة عامة مستقلة لم يعد لها سبب، إلغاء آلاف الوظائف الوهمية، مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، تفعيل الجباية، ورفع احتكار الدولة على القطاعات الأساسية كالتي تملكها وتديرها مثل الكهرباء والاتصالات والمياه والطرقات، وبدء عملية المنافسة من خلال إدخال واستقطاب شركات من القطاع الخاص لإدارة هذه القطاعات واستثمارها.
استقرار الليرة اليوم اختبار حقيقي لبقاء لبنان واقفا على قدميه. فهل ستصمد الإرادة أمام العواصف، أم ستنهار القدرة الشرائية مع أول هزة؟