بعد الوعود التي تلقاها العسكريون المتقاعدون عبر العميد شامل روكز، الذي أَعلَنَ تلقيه التِزَامًا من رئيس الحكومة نواف سلام بالعمل على تحقيق مطالبهم مع نهاية شهر شباط، وفي ظل الموقف الحازم الذي عَبَّرَ عنه وزير المال ياسين جابر في خلال جلسة مناقشة الموازنة، محذرًا من تداعيات مماثلة لتلك التي خلفتها سلسلة الرتب والرواتب، يبرز تساؤل أَساسي حول الانعكاسات المحتملة لهذه الوعود على واقع المالية العامة، في مرحلة دقيقة تعاني فيها الدولة من شح الإيرادات وتراكم الالتزامات، وسط ضغوط داخلية وخارجية تحد من هامش الحركة المالية للحكومة.
في هذا الإِطَار، لفت الصحافي الاقتصادي عماد شدياق إلى أَنَّ النقاش الدائر حول زيادة الرواتب لا يقتصر على العسكريين المتقاعدين فحسب، بل يطال مجمل العاملين في القطاع العام، مذكرًا بِأَنَّ هذا الطرح مطروح منذ فترة وترافق مع تأكيدات رسمية بِأَنَّ الدولة اللبنانية قادرة من حيث المبدأ على إِقرار زيادات على الرواتب.
إِلَّا أَنَّهُ أَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ المشكلة الأساسية لا تكمن في القدرة النظرية للدولة، بل في موقف صندوق النقد الدولي، الذي يرفض بشكل واضح زيادة التزامات الدولة اللبنانية في ظل غياب الإصلاحات البنيوية المطلوبة، وعدم التزام الحكومة بخارطة الطريق المالية التي يُفتَرَض أَن تضع المالية العامة على المسار الصحيح.
واعتبر شدياق أَنَّ صندوق النقد حريص على منع أَيِّ أَعبَاءٍ إِضَافِيَّة قد تعرقل تنفيذ البرنامج الإِصلاحي أَو تؤدي إلفى تفاقم العجز.
وفي هذا السياق، أَشَارَ إلى أَنَّ الاتفاق القائم بين وزارة المال وصندوق النقد الدولي قضى بِأَن تمر هذه السنة من دون زيادات ضريبية كبرى، مقابل إِرَاحَة الموظفين نِسبِيًّا، على أَن يُبحَث في زيادات ضريبية اعتِبَارًا من موازنة العام 2027. غير أَنَّهُ شَدَّدَ على أَنَّ مُرَاجَعَة الموازنة التي أُقِرَّت أَمس تُظهِرُ وُجُود زيادات فعلية في الضرائب، ما يعكس تناقضًا وَاضِحًا بين الخطاب السياسي والواقع المالي، ويؤكد أَنَّ مَا يُقَال في العلن لا يترجم بالكامل على أَرضِ الواقع.
وانتقد شدياق بشدة تجاهل الحكومة لملف تحسين الجباية وتخفيف الأَعباء البيروقراطية عن المواطنين، مُعتَبِرًا أَنَّ هذه المسألة تشكل أَحَد أَبرَز أَسباب ضعف التحصيل الضريبي، مُوضِحًا أَنَّ التعقيدات الإِدارية، من إِقفال الدوائر الرسمية والاضرابات المتكررة، إلى تعدد المستندات والإِجراءات الورقية، تدفع بالمواطن حتى الملتزم منه إلى التذمر والعزوف عن الدفع، على الرَّغمِ مِن رغبته في تسوية أَوضَاعِهِ القَانُونِيَّة.
وشَدَّدَ على أَنَّ تحسين الجباية لا يتحقق عبر فرض ضرائب جديدة، بل من خلال تحديث الإِدَارَة العامة واعتماد المكننة الشاملة، لا سيما في وزارة المال، داعيًا إلى الانتقال نحو أنظمة رقمية وتطبيقات إِلِكترونية تتيح للمواطنين تسديد مستحقاتهم بسهولة ومن دون عَنَاء.
واعتبر شدياق أَنَّ تجارب الدول المجاورة، لا سيما دول الخليج، تُؤَكّدُ أَنَّ الرقمنة تشكل المفتاح الاساسي لزيادة الإِيرادات من دون تحميل المواطنين أَعباء إِضَافِيَّة.
وفي ما يتعلق بمطالب العسكريين، أَكَّدَ أَنَّ الدولة اللبنانية قَادِرَة حَالِيًّا على إِقرار زيادات، في ظل امتلاكها سيولة تتجاوز المليار دولار بمختلف أَشكالها، إِلَّا أَنَّ الخطر يكمن في اتخاذ قرارات عشوائية من دون احتساب القدرة الفعلية والالتزامات القائمة، وعلى رأسها الالتزامات تجاه صندوق النقد الدولي.
وحَذَّرَ شدياق مِن أَنَّ فتح باب الزيادات قد يبدأ بالعسكريين، لكنه قد لا ينتهي عند هذا الحد، ما يؤدي لاحِقًا إلى تحميل القطاع الخاص والمواطنين أَعبَاء ضريبية إِضَافِيَّة.
وأَكَّدَ أَنَّ الأَزمة في لبنان بنيوية وليست ظرفية وتتعلق بعقلية ادارة الموازنات وغياب البرامج الاقتصادية الواضحة، داعيًا إلى اعتماد خطط قطاعية، خصوصًا في قطاع السياحة، من خلال تحسين البنى التحتية، الاتصالات وفرض رقابة فعالة، بهدف زيادة الإِيرادات بشكل مستدام، بدل الاستمرار في المعالجات المُوقتة التي تعيد إنتاج الأزمة نفسها.