January 14, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

المغتربون كسروا الخوف وعادوا إلى لبنان… فهل تكسر الدولة إقصاءهم؟

في مشهدٍ خالف كلّ التوقّعات السياسية والأمنية، فاجأ المغتربون اللبنانيون الجميع بقرارهم المَجيء إلى لبنان لقضاء عطلة العيد، على الرَّغمِ مِن مُنَاخِ التحذيرات السائد منذ أسابيع وعلى الرَّغمِ مِنَ الحديث المتزايد عن احتمال اندلاع حرب في أي لحظة نتيجة التصعيد الإسرائيلي المستمر.

فالواقع الأمني لم يشهد أي تهدئة تُذكر. إسرائيل لم توقف اعتداءاتها، والاغتيالات اليومية لعناصر حزب الله ما لا تَزال مستمرة، كما يتواصل تدمير القرى الجنوبية والبنى التحتية والعسكرية بوتيرة تصاعدية. ومع ذلك، بدا واضحًا أنّ هذه المخاطر لم تُثنِ اللبنانيين المنتشرين في الخارج عن اتخاذ قرار العودة الموقتة إلى وطنهم، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز البعد السياحي أو العائلي.

وبحسب أرقام غير رسمية، فإن الحركة المسجّلة منذ بداية الشهر الحالي وحتى الخامس عشر منه بلغت نحو 150 ألف راكب إلى لبنان، بمعدّل يقارب 50 رحلة يوميًا، وهو رقم فرض نفسه على شركات الطيران التي سارعت إلى إضافة رحلات إضافية من مختلف الوجهات لتلبية الطلب المتزايد. وتشير التقديرات إلى أنّ هذا الرقم مرجّح للارتفاع في خلال الأيام القليلة المقبلة، مع اقتراب ذروة عطلة العيد.

 

اللافت في هذه الحركة ليس فقط كثافتها، بل طبيعتها أيضًا. فقد سُجّلت حركة خليجية واضحة باتجاه لبنان، في مؤشر إيجابي التقطه القيّمون على القطاع السياحي، الذين رأوا في هذه العودة نافذة أمل وسط موسمٍ كان يُفترض أن يكون خجولًا في ظل التوترات الأمنية. بالنسبة لهؤلاء، فإن حضور المغتربين والخليجيين أعاد ضخّ شيء من الحيوية في قطاعات الفنادق، المطاعم والنقل، في بلد بات يعتمد بشكل شبه كامل على مواسم الاغتراب لتفادي الشلل الاقتصادي الكامل.

 

غير أنّ الأهم من الأرقام والحركة السياحية هو الرسالة السياسية التي وجّهها المغتربون اليوم، والتي كان صداها أقوى بكثير لدى الرأي العام من صداها لدى المسؤولين. فهؤلاء الذين قرّروا المجيء إلى لبنان في واحدة من أدقّ مراحله الأمنية أرادوا أن يقولوا بوضوح: نحن حاضرون، ولسنا مجرّد أرقام تحويلات أو مواسم إنفاق.

 

المغتربون، الذين يشكّلون الرئة المالية التي يتنفّس منها لبنان عبر تحويلاتهم المستمرة وعبر إنفاقهم المباشر عند كل زيارة، أكّدوا مجددًا أنّ دورهم لا يقتصر على الدعم المالي فقط، بل يمتدّ إلى الشراكة في صنع القرار. ومن هنا، فإن حرمانهم من حقهم الدستوري في التصويت لكلّ نواب الأمة الـ128 في الانتخابات النيابية المقبلة لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة في التعامل معهم كخزّان أموال، لا كمواطنين كاملي الحقوق.

 

المفارقة الصارخة أنّ الدولة اللبنانية، بدل أن تكرّس حقوق المغتربين، سواء في الانتخابات أو في ملف الودائع، تمضي في اتجاه معاكس تمامًا. فمن جهة، يُعمَل على حرمانهم من حق التصويت الكامل، ومن جهة أخرى، تُستكمَل سياسات شطب الودائع وسرقتها المقنّعة عبر الخطة المالية، التي يُفترض أن تُناقَش في الجلسة المرتقبة غدًا في قصر بعبدا.

 

وما يزيد من فداحة هذا المشهد أنّ نسبة كبيرة من المودعين المتضرّرين هم أساسًا من المغتربين، ممّن تجاوزت ودائعهم سقف الـ100 ألف دولار. هؤلاء لم يضعوا أموالهم في مصارف الخارج، بل وثقوا بمصارف بلدهم وفضّلوا إبقاء تعب أعمارهم في لبنان، على أمل أن يكون ذلك مساهمة في دعم اقتصاده واستقراره. النتيجة كانت كارثية: ودائع محجوزة، خطط مالية تحمّلهم جزءًا من الخسائر ودولة تتنصّل من مسؤولياتها.

 

هكذا، لم تكن عودة المغتربين في العيد مجرّد زيارة عاطفية أو سياحية، بل موقفًا واضحًا في وجه من يحاول اختزالهم بدور المموّل الصامت. لقد حضروا إلى لبنان على الرَّغمِ مِنَ الخطر، وأرسلوا رسالة مزدوجة: نحن هنا عندما يكون الوطن في أصعب لحظاته، لكننا نرفض أن نبقى خارج المعادلة السياسية أو أن تُصادَر حقوقنا الانتخابية والمالية باسم خطط إنقاذ لا تُنقذ إلا من صاغها.

 

في بلدٍ يطلب من مغتربيه الكثير ويمنحهم القليل، جاءت هذه العودة لتطرح سؤالًا جوهريًا على طاولة السلطة: هل تريد الدولة المغتربين شركاء حقيقيين في الوطن أم مجرّد شبكة أمان مالية تُستدعى عند الأزمات وتُقصى عند الاستحقاقات؟