January 14, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

نيكولا شيخاني: قانون الفجوة المالية يهدّد الودائع… والأزمة "ليست نظامية"

في حلقة جديدة من برنامج "تحدي الـ15 سؤال" مع الإعلامي ربيع ياسين عبر منصّة "بالعربي"، قدّم الخبير المصرفي نيكولا شيخاني قراءة شاملة في قانون الفجوة المالية وجذور الأزمة المالية في لبنان، محذّرًا من أنّ توصيف الأزمة على أنّها "أزمة نظامية" يُستخدم كمدخل لتبرير إجراءات استثنائية تمسّ مباشرة بأموال المودعين، فيما تُعفى الجهات المسؤولة من تحمّل كلفة الانهيار.

واعتبر أنّ الأزمة المالية التي ضربت لبنان منذ العام 2019 لا يمكن توصيفها كقوة قاهرة أو حدث خارج عن الإرادة، بل هي نتيجة تراكم سياسات وقرارات مالية ونقدية خاطئة، شاركت فيها الدولة اللبنانية، مصرف لبنان والمصارف التجارية، إضافة إلى الهدر الواسع في سياسات الدعم والتحويلات التي حصلت بعد 17 تشرين الأول، ما أدّى إلى استنزاف السيولة وتعميق الانهيار المالي.

 

وأوضح أنّ الإصرار على توصيف الأزمة كنظامية يخدم مصالح محدّدة، إذ يتيح لمصرف لبنان المطالبة بقوانين استثنائية تبرّر اقتطاع جزء كبير من الودائع بهدف إقفال العجز في ميزانيته، كما يخفّف من مسؤوليات المصارف عبر تحويل ما حَصَلَ إلى ما يشبه "القضاء والقدر". في المقابل، أشار إلى أنّ صندوق النقد الدولي لا يتبنّى هذا التوصيف، بل يربط أي مسار إنقاذي بمحاسبة القطاع المصرفي وتحديد المسؤوليات قبل أي مساس بحقوق المودعين.

 

وفي ما يتعلّق بقانون الفجوة المالية، شدّد شيخاني على أنّ جوهر الخطة المطروحة يقوم على تحميل المودعين العبء الأكبر من الخسائر، سواء عبر اقتطاع مباشر من الودائع، أو عبر شطب فوائد دُفعت وفق عقود مصرفية، أو من خلال طرح "عكس" عمليات تحويل الليرة إلى الدولار التي حصلت بعد بدء الأزمة، على الرَّغمِ مِن أنّها تمت بموافقة المصارف وتحت إشراف مصرف لبنان. ورأى أنّ هذه المقاربة تنطوي على استنسابية واضحة وتضرب الثقة بالنظام المصرفي وبالاقتصاد اللبناني ككل.

 

وتوقّف عند الخطوات القضائية الأخيرة، لا سيّما طلب النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو كشفًا مفصّلًا بحركة حسابات رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف الحاليين والسابقين والمفوّضين بالتوقيع، معتبرًا أنّ هذه الخطوة تشكّل تحوّلًا نوعيًا باتجاه تكريس مبدأ دولة القانون وفتح باب التحقيق في التحويلات الاستنسابية التي حصلت في خلال مرحلة حسّاسة سبقت الانهيار ولحقته. وأكّد أنّ أي استعادة لأموال خرجت بصورة غير مبرّرة من شأنها أن تُعيد جزءًا أساسيًا من السيولة إلى النظام المصرفي وتُسهم في معالجة أزمة الودائع.

 

كما علّق شيخاني على توجّه مصرف لبنان لتعيين شركة تدقيق دولية لتتبّع مسار الأموال التي ضُخّت لدعم سعر الصرف وتمويل استيراد السلع الأساسية بين عامي 2019 و2023، معتبرًا أنّ هذه الخطوة بحد ذاتها تعكس وجود شبهات جدية بهدر أو سوء إدارة أو تلاعب بمليارات الدولارات. وبرأيه، فإنّ هذا المسار يؤكّد مرة جديدة أنّ ما حَصَلَ لا يمكن اختصاره بتوصيف "أزمة نظامية"، بل يستوجب تحقيقًا شاملًا ومحاسبة واضحة لكل من شارك في اتخاذ القرارات.

 

وفي ما يتصل بالحلول، شدّد على أنّ استعادة الودائع ممكنة ضمن خطة زمنية واقعية تمتد بين خمس وست سنوات، شرط توزيع الخسائر بعدالة بين الدولة، مصرف لبنان والمصارف، بدل تحميلها للمودعين وحدهم. وأوضح أنّ أي خطة جدّية يجب أن تقوم على مساهمة الدولة في سداد التزاماتها واستفادة مصرف لبنان من أصوله واحتياطاته ضمن إطار شفاف، إلى جانب إعادة رسملة المصارف بسيولة فعلية لا بأصول غير قابلة للتسييل، فضلًا عن تفعيل استعادة الأموال التي خرجت بصورة استنسابية في خلال الأزمة.

 

وفي هذا السياق، انتقد شيخاني الاعتماد على التعميمين 158 و166 ورفع سقوفهما، معتبرًا أنّ هذه الإجراءات لا تشكّل حلًا جذريًا، بل إدارة مَوَقَّتَة للأزمة، ولا يمكن أن تحلّ مكان إعادة الهيكلة الشاملة التي تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتُعيد الاعتبار لحقوق المودعين.

 

وختم: الأزمة المصرفية في لبنان ليست أزمة نقص في القوانين، بل أزمة تطبيق وإرادة سياسية، محذّرًا من أنّ استمرار إدارة الأزمة بالأسلوب نفسه سيؤدّي إلى مزيد من فقدان الثقة وهجرة الشباب، في حين أنّ الحلول موجودة إذا توفّرت الجرأة لاتخاذ القرارات الصعبة ووضع مصلحة المودعين والاقتصاد في صلب أي مسار إنقاذي.

 

اضغط على الرابط الآتي لمشاهدة الحلقة: