April 29, 2026   Beirut  °C
سياسة

فادي ظريفه: واشنطن توسّع نطاق العقوبات لخنق الاقتصاد الإيراني

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تختصر في بعدها العسكري، بل انتقلت بشكل متزايد إلى ساحة العقوبات والضغط الاقتصادي. فمنذ سنوات، اعتمدت واشنطن هذه الأداة، إلا أن المرحلة الأخيرة تشهد توسعا لافتا في نطاقها، سواء من حيث استهداف شركات وأطراف خارج إيران، أو من خلال أدوات باتت تطال شبكات مالية وأصولا عابرة للحدود.

هذا الواقع لا يعبر فقط عن تشديد في السياسة الأميركية، بل يعكس أيضا توجها لفرض هذا المسار على مستوى أوسع، ما يطرح إشكاليات قانونية وسياسية حول طبيعته وحدود تأثيره.

فإلى أي مدى يمكن فهم هذا التوسع في العقوبات ضمن إطار قانوني دولي، أم أنه يبقى مرتبطا باعتبارات سياسية بالدرجة الأولى؟


في هذا الإطار، أكد المحامي فادي ظريفه أنه لا يمكن اعتبار الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة متوافقة مع قواعد القانون الدولي بالمعنى التقليدي، إذ إن قواعد القانون الدولي تصدر عادة عن منظومة الأمم المتحدة أو مؤسساتها، وغالبا ما تكون في إطار توصيات أو آليات تلزم الدول التي صادقت على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، مشيرا إلى أنه في الحالة الراهنة ترتبط بقرارات صادرة عن دولة واحدة، وبالتالي تصنف كعقوبات أحادية الجانب.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه العقوبات، على الرغم من استنادها إلى معايير وملفات تعتبرها الإدارة الأميركية ذات طابع قانوني، إلا أنها تبقى في الجوهر ذات بعد سياسي، لأنها تستخدم كأداة ضغط على دول أو كيانات أو أفراد تعتبرهم واشنطن مخالفين لتوجهاتها ورؤيتها للملفات المطروحة، مشيرا إلى أن هذه العقوبات لا تقتصر على الدولة المستهدفة، بل توجه إلى أفراد وكيانات وشركات وقطاعات محددة، وفق ما تراه الإدارة الأميركية مناسبا.


ورأى ظريفه أن القوة الأساسية لهذه العقوبات تكمن في ما يعرف بالعقوبات الثانوية، إذ تُحذر أي جهة تتعامل مع الكيانات المشمولة، ما يجعل القرار، على الرغم من كونه أحاديا، ذا تأثير عالمي، لأن معظم الفاعلين الاقتصاديين يتجنبون المخاطرة بالتعامل مع تلك الأطراف تفاديا للعقوبات، لافتا إلى أن أي جهة مستهدفة يمكنها اللجوء إلى القضاء الأميركي للطعن بالعقوبات، إلا أن هذه الإجراءات تبقى معقدة وطويلة، ولا ترفع عادة إلا في حال وجود خلل واضح في القرار الإداري الصادر عن الجهات الأميركية المختصة.


وفي ما يتعلق بالشق الاقتصادي والمالي، اعتبر المرحلة الحالية تعكس توسعا في سياسة الضغط على إيران بهدف خنق مصادرها الاقتصادية، من خلال استهداف كل ما يمكن أن تستفيد منه ماليا، بما في ذلك أدوات ووسائل خارج الإطار الأميركي المباشر، مشيرا إلى أن هذا التوسع يفرض تحديات إضافية، خصوصا وأن العقوبات تطبق أحيانا على أطراف لا تمتلك أي ارتباط مباشر بالولايات المتحدة، ما يحد من فعاليتها داخل الإطار التقليدي، لكنه يدفع الإدارة الأميركية إلى توسيع نطاق تنفيذها خارج الحدود.


أما في ما يخص محاولات الالتفاف على العقوبات، فأوضح ظريفه أن إيران، كما أي دولة أو أفراد أو مؤسسات خاضعة للعقوبات، تسعى إلى إيجاد قنوات بديلة للالتفاف عليها بطرق مختلفة، سواء عبر التبادل مع دول لا تلتزم بهذه العقوبات مثل روسيا أو الصين، أو عبر آليات غير مباشرة في التصدير والنقل، لافتا إلى أن بعض هذه الدول لا تعتبر نفسها ملزمة بالعقوبات الأميركية، ما يتيح هامشا من الحركة، وإن كان محدودا.


وقال: هناك أيضا شبكات وأطراف وسيطة قد تنخرط في هذا النوع من التعاملات، لكنها تبقى عرضة لملاحقات وإجراءات من الجانب الأميركي ضمن ما يمكن للدولة الأميركية الوصول إليه، معتبرا أن إيران اعتمدت في مراحل سابقة ما يعرف بـ "أسطول الظل"، أي نقل النفط بين ناقلات مختلفة وتغيير الأعلام والوجهات، كنوع من التحايل على العقوبات، إلا أن هذا الأسلوب أصبح أكثر صعوبة اليوم مع تشديد الرقابة واتساع نطاق الاستهداف.


وأكد ظريفه أن هذه العقوبات، وإن كانت تواجه محاولات التفاف، إلا أن فعاليتها تبقى مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة على توسيع نطاق تطبيقها، خصوصا وأنها ترتب تداعيات اقتصادية داخلية على إيران، وتنعكس أيضا على مستوى المجتمع والاقتصاد، على الرغم من أن تأثيرها لا يظهر دائما بشكل مباشر في كل مرحلةن لافتا إلى أن هذه السياسة تنعكس أيضا على المستوى الدولي، إذ إن أي تعامل مع الكيانات المشمولة قد يعرض الأطراف الأخرى لمخاطر، وهو ما يدفع العديد من الدول والشركات إلى تجنب هذا النوع من التعاملات لتفادي أي ضرر إضافي.


في المحصلة، وبعد ما رافق المرحلة الماضية من عمليات عسكرية نفذت ضد إيران، وما رافقها من تأثير على بنية النظام، إلى جانب استمرار سياسة العقوبات والضغط التي تعتمدها الولايات المتحدة، يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا المسار يقرأ ضمن استراتيجية متكاملة تقوم على إضعاف النظام الإيراني على أكثر من مستوى، أم أنه يندرج في إطار تصعيد مفتوح في المرحلة الحالية.