تطرح التطورات الأخيرة في سوريا تساؤلات جدية حول الجهات التي تسعى إلى تخريب الأوضاع في البلاد، التي خرجت حديثا من حرب مدمرة أودت بحياة مئات آلاف الضحايا، وخلفت عشرات آلاف المخفيين والمفقودين، فضلا عن دمار واسع طال مناطق شاسعة بشكل شبه كامل.
وفي وقت تتطلع فيه البلاد إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء، برزت تحركات مقلقة اتخذت من بوابة التضامن مع الأسرى الفلسطينيين، الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام من السلطات الإسرائيلية، مدخلا لها. فقد شهدت بعض شوارع دمشق وعدد من المناطق السورية الأخرى احتجاجات وصفها مراقبون بالمشبوهة، لم تخل من التهجم على بعض القادة العرب، ووصلت إلى حد محاولة اقتحام السفارة الإماراتية في دمشق، بالتزامن مع رفع رايات بعض الحركات، من بينها حركة حماس.
في قراءة لتلك التطورات في سوريا، أوضحت الصحافية السورية عالية منصور أنه يُتداول بمعلومات تفيد بأن "الجبهة الشعبية" إضافة إلى "حزب التحرير" وبعض الجماعات الفلسطينية التي كانت تؤيد نظام بشار الأسد يقودون هذه التحركات، والتي تلقى تعاطفا من قبل جماعة "الإخوان المسلمين" السوريين، معتبرة أنها تندرج ضمن محاولات التخريب والتشويش على الوضع الداخلي، في وقت تؤكد فيه أن الخيار السوري بات واضحا في هذه المرحلة.
وشددت عَبرَ مِنصة "بالعربي" على أن التوجه العام يقوم على مبدأ "صفر مشاكل" مع دول الجوار، مع التركيز على إعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب، لافتة إلى أن سوريا خرجت من 14 عاما من الصراع، وهو ما يجعل الوضع الداخلي غير قابل لمثل هذه التلاعبات أو العبث بالأمن.
وفيما يتعلق بالأحداث الأخيرة، اعتبرت منصور أن ما حصل لم يقتصر على الاعتداء على السفارة الإماراتية بحد ذاته، بل تخللته أيضا مظاهرات وشتائم طالت دولا عربية، وهو ما رأت فيه محاولة واضحة لإثارة الفوضى، مشيرة إلى أنّ رد الفعل يمثل بمثابة جرس إنذار للحكومة السورية بضرورة التحرك السريع.
وأوضحت أن الحكومة تجد نفسها أمام معادلة صعبة، بين عدم قدرتها على منع المظاهرات في ظل مرحلة ما بعد الثورة، وضرورة ضبط هذه التحركات التي قد تسيء إلى سوريا وتؤدي إلى توريطها في أزمات إقليمية، لافتة، في سياق متصل، إلى أن غالبية المشاركين في بعض أعمال الشغب، خصوصا التي استهدفت السفارة الإماراتية، كانوا من الفلسطينيين. وأكدت، في الوقت ذاته، أن ذلك لا يعني تعميم الاتهام على جميع الفلسطينيين، بل أن جزءا منهم كان حليفا للنظام السابق ولا يزال مستمرا في هذا النهج.
وأشارت منصور إلى أن بعض الشخصيات التي شاركت في هذه التحركات سبق أن ظهرت في احتجاجات أخرى استهدفت دولا عربية، مؤكدة رفض أي شكل من أشكال التمييز. وشددت على أنّ القانون يجب أن يطبق على الجميع من دون استثناء، سواء كانوا سوريين أم غير سوريين، وأن أي إساءة للعلاقات العربية أو محاولة لتوريط سورية في صراعات خارجية أمر مرفوض بشكل كامل.
كما ربطت هذه التطورات بملف انتشار الجيش السوري على الحدود مع لبنان والعراق، معتبرة أن هناك جهات تسعى إلى جر سوريا إلى صراعات إقليمية، وهو ما يتطلب مزيدا من الحذر والتعامل الحازم.
وفيما يخص التعامل مع المتورطين، دعت منصور إلى تجاوز حالة "الرمادية" في الملف الأمني، والتوجه نحو مزيد من الحزم، سواء بحق السوريين أو غيرهم ممن يثبت تورطهم في أعمال تخريبية أو في الإساءة إلى الدول العربية، مشيرة إلى أنّ الإجراءات يجب أن تتراوح بين تطبيق القانون، والاعتقال عند الضرورة، من دون أن يندرج ذلك ضمن قمع حرية الرأي، بل في إطار حماية الأمن العام خلال المرحلة الانتقالية.
كما تناولت مسألة رفع شعارات ورايات بعض الفصائل، من بينها حركة حماس، في دمشق، مؤكدة أن الجهات المعنية قادرة على تحديد هوية المشاركين، الأمير الذي يستدعي اتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.
وتحدث منصور عن وجود ارتباطات بين بعض هذه الفصائل وإيران، إضافة إلى بقايا النظام السابق، معتبرة أن هذه الأطراف تسعى إلى توريط سوريا في صراعات قائمة، وتشويه علاقاتها مع الدول العربية، مقابل تلميع صورة أطراف إقليمية أخرى، وهو ما يندرج ضمن سياق أوسع من محاولات التأثير على المشهد السوري.
بناء على ما تقدم، تؤكد هذه المعطيات أن المرحلة الانتقالية في سوريا تتطلب توازنا دقيقا بين صون الحريات العامة وحماية الأمن الوطني، مع ضرورة التصدي الحازم لأي محاولات لزعزعة الاستقرار أو جر البلاد إلى صراعات خارجية، بما يحفظ وحدة الدولة ويعزز علاقاتها العربية.