وضعت إيران دولَ الخليج العربي ضمن بنك أهدافها في سياق ردّها على الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الذي استهدف أراضيها، في خطوة أثارت موجة واسعة من التساؤلات والاستغراب حيال طبيعة هذا السلوك وتوقيته. ويأتي ذلك على الرغم من أن عددًا من هذه الدول، لا سيما المملكة العربية السعودية وقطر، لطالما سعوا إلى تجنيب طهران ضربة عسكرية أميركية مباشرة، من خلال ممارسة ضغوط سياسية مكثفة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفعه نحو تغليب الخيار الدبلوماسي في التعاطي مع الجمهورية الإسلامية.
هذا التحوّل في مسار الاستهداف يطرح علامات استفهام حول الرسائل التي تريد طهران توجيهها، كما يعكس مستوى غير مسبوق من التوتر في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
وإزاء هذه التطورات المتسارعة، يبرز سؤال محوري بشأن مآل الأوضاع في إيران والمنطقة برمتها، في ظل تصعيد عسكري كبير تتسع رقعته تدريجيًا، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المشهد إلى حرب إقليمية مفتوحة قد لا تقتصر تداعياتها على دول المنطقة، بل تمتد لتشمل أطرافًا دولية من خارجها.
وفي قراءة للأوضاع العسكرية المستجدة، قال الكاتب والناشط الأحوازي الإيراني يوسف عزيزي إِنَّ ما حَصَلَ حاليًا في المنطقة يطرح تساؤلات جدّية حول طبيعة السلوك الإيراني وأهدافه الحقيقية، خُصوصًا في ظل تصاعد التوترات العسكرية واحتمالات اتساع رقعة المواجهة.
وأَوضح عبر منصة "بالعربي" أن دول الخليج العربي بذلت، في خلال الفترة الماضية، جهودًا كبيرة من أجل تجنيب المنطقة ضربة عسكرية أميركية لإيران، مشيرًا إلى أن بعض هذه الدول سعى، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تخفيف حدة التصعيد ومحاولة تأجيل أي عمل عسكري ضد طهران. وقَالَ إِن تأخير أي ضربة محتملة لم يكن بعيدًا عن هذه المساعي الإقليمية.
وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، لفت عزيزي إلى أن النظام الإيراني، بدلًا من استهداف القواعد أو الأساطيل أو القطع البحرية الأميركية في الخليج أو بحر العرب، اتجه إلى ضرب أهداف في دول عربية، بما في ذلك السعودية، التي كانت، بحسب تعبيره، تتخذ مواقف تندد بالتصعيد وتسعى إلى تجنب المواجهة.
واعتبر أن هذا السلوك يعكس وجود نزعة عدائية أو حقد تجاه الدول العربية، على الرغم من المواقف التي أبدتها بعض هذه الدول من تعاطف أو حرص على عدم الانزلاق إلى حرب شاملة.
وأشار عزيزي إلى أن الكويت تبدو من بين الدول المعنية بشكل خاص بهذه التطورات، متحدثًا عن وجود أطماع إيرانية في النفط الكويتي، إلى جانب الخلافات المعروفة بشأن بعض الآبار والحقول النفطية في الخليج. ورأى أن هذه العوامل قد تفسّر جانبًا من التوتر القائم.
وحول مستقبل الأحداث، تساءل عن الوجهة التي قد تتخذها التطورات، وما إذا كانت هناك نية فعلية لتغيير النظام الإيراني، مذكرا بالخبر الذي بثته قناة "العالم" عن خطاب مرتقب للمرشد علي خامنئي، قبل أن يُسحَب بعد دقائق. واعتَبرَ أَنَّ هذا التراجع يثير تساؤلات بشأن حقيقة الأوضاع داخل إيران.
كما أشار عزيزي إلى أن تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن وضع المرشد لم تكن حاسمة، إذ تحدّث عن معلومات تفيد بأنه بخير وموجود، من دون تأكيد قاطع، ليتبين بعدها أنّه قُتل، الأمر الذي، بِحَسَب وَصفِه، يضيف مزيدًا من الغموض إلى المشهد، خُصوصًا في ظل حساسية المرحلة.
وفي ما يتعلق بالقدرة الإيرانية على تحمّل حرب طويلة الأمد، قال إن إيران تدرك أنها لا تستطيع الصمود طويلًا أمام القوة العسكرية الأميركية الهائلة، لكنها تسعى، في المقابل، إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، سواء عبر إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل موقت، أو من خلال تهديد الملاحة في مضيق باب المندب.
واعتبر عزيزي أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والتأثير في الاقتصاد الأميركي، وهو ما قد يشكل عامل ضغط على الإدارة الأميركية.
وقَالَ إِنَّ الولايات المتحدة تراقب بدورها الانعكاسات الاقتصادية لأي تصعيد، خُصوصًا مَا يتعلق بارتفاع الأسعار والتضخم داخلها، لافتًا إلى أن الإدارة الأميركية قد لا تعير اهتمامًا كبيرًا للمعارضة السياسية على المدى القصير، لكنها تضع في اعتبارها التداعيات الاقتصادية وانعكاساتها على الداخل الأميركي.
وفي ما يخص عدم استخدام الولايات المتحدة حتى الآن بعض أسلحتها المتطورة، مثل مقاتلات F-22 وطائرات الشبح، رأى عزيزي أن ذلك قد يكون مؤشرًا إلى أن واشنطن ال تَزَالُ تدير المعركة بحسابات دقيقة وتحتفظ بخيارات تصعيدية في حال عدم استجابة طهران أو رفضها تقديم تنازلات.
أما بشأن احتمال اللجوء إلى استراتيجيات تدميرية واسعة النطاق، فاعتبر أن القرار لا يرتبط بشخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحده، مشيرًا إلى وجود تحركات دولية للحد من استمرار الحرب، من بينها مواقف أوروبية متحفظة على الهجوم، إضافة إلى تحركات محتملة من دول خليجية تخشى من اتساع رقعة الصراع وتداعياته عليها.
وقالَ عزيزي، في خِتامِ حَديثِه، إِنَّ استمرار الحرب حتى نهاياتها القصوى ليس أمرًا محسومًا، إذ إن احتمالات التدخلات الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد تبقى قائمة وقد تُفضي إلى إيقاف المواجهة قبل بلوغها مرحلة أكثر خطورة.