March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

هل تنجح سوريا في تطبيق قرار العفو العام؟

في لحظةٍ تحاول فيها سوريا إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والاقتصادية وفتح صفحة جديدة على مستوى الداخل والعلاقات العربية، جاء قرار الرئيس السوري أحمد الشرع بالعفو العام ليعيد طرح أسئلة العدالة والمصالحة إلى الواجهة. فالمرسوم رقم 39، الذي صدر في 17 شباط 2026 مع اقتراب شهر رمضان، لم يكن مجرد إجراءٍ قانوني، بل خطوة تحمل أبعادًا إنسانية وسياسية في بلد لا تَزَال جراح سنوات الحرب حاضرة في سجونه ومحاكمه.

غير أنّ تفاصيل المرسوم، بما تتضمنه من حالات مشروطة، إجراءات تنفيذية ولجانٍ مختصّة لدراسة الملفات، تفتح نقاشًا حول مدى قدرة هذا القرار على الوصول فعليًا إلى الفئات المعنية وتحقيق الغاية المعلنة منه. فهل ينجح العفو العام في تحويل رسالته الإنسانية إلى واقع ملموس داخل السجون والمحاكم أم أنّ التعقيدات القانونية والإجرائية ستجعل أثره محدودًا؟

في هذا الإطار، قدّم الباحث السياسي ياسر نجار قراءة مفصّلة لمضمون المرسوم 39 الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع، مُوضِحًا أَنَّ العفو يشمل إعفاءً كاملًا للجنح، المخالفات وبعض الجنائيات الاقتصادية، مثل التهريب، الصرافة والتعامل بالعملات الأجنبية، باستثناء الجرائم الكبرى المرتبطة بالمخدرات، مثل التهريب، التصنيع والزراعة، بينما قد يشمل من ضبط مع مواد للاستخدام الشخصي فقط. كما أشار إلى حالات مشروطة محددة، أبرزها المرتبطة بالخاطفين، إذ يشمل العفو هؤلاء فقط إذا كان الإفراج طوعيًا، أي أن يقوم الخاطف بتحرير المخطوف من تلقاء نفسه، مِن دُونِ أَن يكون هناك مبالغ مادية أو حيازة الأسلحة أو أن يتم تسليم السلاح، وذلك ضمن مهلةٍ زمنية محددة تصل إلى ثلاثة أشهر.


وقَالَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إِنَّ المرسوم يتضمّن تخفيفًا جزئيًا لبعض العقوبات، مثل خفض السجن المؤبد إلى عشرين عامًا، مع تركيز على الحالات الإنسانية، من تجاوزوا عمر 70 عامًا أو المصابين بأمراض عضال، على أن تُدرس ملفاتهم عبر لجان مختصة في وزارة العدل، لافِتًا إلى أَنَّ القرار، على الرَّغمِ مِن كَونِهِ نَافِذًا منذ لحظة صدوره، يحتاج إلى إجراءات زمنية محددة للتنفيذ، سواء في ما يتعلق بدراسة الحالات الطبية أو الالتزام بمهل تسليم السلاح أو تسليم الفارين من السجون.


أما في ما يتعلق بالاستثناءات، فبيّن نجار أنّها شملت الجرائم التي تتضمن انتهاكات جسيمة بحق المواطنين، مثل التعذيب، الاتجار بالبشر، الدعارة، الغش الامتحاني والجنائيات الخطيرة كالاغتصاب والخطف، مُتَحَدِّثًا عَن ثغرات محتملة في التطبيق، أبرزها شرط إسقاط الحق الشخصي في خلال ثلاثة أشهر في القضايا التي تتضمن ضررًا فرديًا وما قد يحدث في حال تعذّر الوصول إلى المتضرر خلال المهلة، إضافةً إلى وضع الفارين من السجون الذين قد يستفيدون جزئيًا من العفو إذا سلموا أنفسهم في خلال ستين يومًا، وهو ما يطرح تساؤلات في حال وجودهم خارج البلاد.


مرسوأَشَارَ إلى أَنَّ صدور المرسوم يأتي في ظلّ غياب مجلس الشعب المكتمل في سوريا، ما جعل الرئيس يُمَارِسُ صلاحية إصدار العفو ضمن إطارٍ استثنائي مرتبط بالمرحلةِ الانتقالية والإعلان الدستوري لعام 2025، لافِتًا إلى أَنَّ تنفيذ القرار يتطلّب إجراءات إدارية واسعة، لا سيّما مع تشكيل لجان مختصّة لدراسة آلاف الطلبات في وزارة العدل السورية، وهو ما يضع عبئًا إداريًا ولوجستيًا كبيرًا على الوزارة، على الرَّغمِ مِن أَنَّ القرار دخل حيّز التنفيذ فور صدوره.


وحَولَ توقيت صدور القرار، اعتَبَرَ نجار أنّه يحمل دلالات إنسانية وسياسية، إذ صدر في أول أيام شهر رمضان ليعكس قيم العفو والمصالحة ويأتي بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، مؤكدًا أنّ الهدف إرسال رسالة بأن سوريا تدخل مرحلة جديدة من الحكم وبأنّها تتجاوز آثار المرحلة السابقة.


وفي ما يتعلّق بإمكانِ تطبيق نموذج مماثل في لبنان، رَأَى أَنَّ لبنان يمتلك من الناحية القانونية آليات لإصدار قرار عفو عام عبر مجلس النواب اللبناني، إلا أنّ إقراره ليس سهلًا في المرحلة الحالية بسبب الاستقطاب السياسي بين الأحزاب، مُوضِحًا أَنَّ الوصول إلى توافق سياسي حول العفو يتطلّب ظروفًا مواتية وجهدًا مستمرًا، على الرَّغمِ مِن أَنَّ الحاجة الاجتماعية لتخفيف الاحتقان الشعبي تجعل هذا الخيار مطروحًا للنقاش، خصوصًا في القضايا المرتبطة بجرائم الرأي.


وقَالَ نجار إِنَّ اقتراب الاستحقاقات الانتخابية قد يدفع بعض القوى السياسية إلى دعم العفو العام لما له من انعكاسات اجتماعية وانتخابية، لكنّ التنفيذ يحتاج إلى توافق نسبي داخل المجلس، ما يحدّد إمكان إنجازه في الواقع.