أَثَارَ التخبط الذي رافق ملف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ليل أَمس سلسلة من علامات الاستفهام، لا سيما بعد التناقض الواضح في المواقف المعلنة في خلال ساعات قليلة.
فبعدما تحدثت وسائل إِعلام عن إِلغاء مفاوضات الجمعة بين الجانبين، وما نقله موقع اكسيوس عن إبلاغ واشنطن طهران عدم موافقتها على تغيير مكان وشكل المحادثات، لم تمض ساعات حتى أُعلِنَ عن موافقة الولايات المتحدة على عقد هذه المفاوضات الجمعة في سلطنة عمان، استجابة لطلب تقدمت به 9 دول في المنطقة، ما فتح الباب أَمامَ تساؤلات واسعة حول خلفيات هذا التحول السريع وأسبابه.
في هذا السياق، اعتبر الصحافي جوني منير أَنَّ ما يبدو تخبطًا في المشهد ليس عشوائيًا، بل متعمدًا، مشيرًا إلى أَنَّ الذهاب إلى مفاوضات بهذا الحجم وفي ظل ظروف دقيقة يتطلب بيئة آمنة وممهدة سابِقًا.
وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ هناك بذورًا أَو جذورًا أَساسية لتفاهمات سبقت الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ولو لم تكن تفاهمات عميقة أَو نهائية، إِلَّا أَنها شملت الإِطار العام والخطوط العريضة.
ورأى منير أَنَّ هذا القدر من التفاهم كان كافيًا لدفع الرئيس الأَميركي دونالد ترامب إلى توصيف المفاوضات بالجدية وتشجيع التوجه نحوها.
وحول ما حصل أَمس، أَشار إلى أَنَّ الأَحداث لم تكن منفصلة عما سبقها، لافتًا إلى حادثة الطائرة المسيرة الإيرانية التي أطلقت باتجاه حاملة الطائرات الأميركية. وأَكَّدَ أَنَّ هذه الطائرة لم تكن مصممة لِإِحداث ضرر فعلي، بل أُرسلت في إِطار تصعيد محسوب، مع علم مسبق بِأَنَّها ستسقط، بهدف توجيه رسالة سياسية تسمح لِإِيران بالحفاظ على ماء الوجه، والقول إِنها قادرة على التحدي والمواجهة من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة.
وقَلَ منير إِنَّ زيارة وفد أَميركي إِلى سلطنة عمان في التوقيت نفسِه ليست تفصيلًا عابرًا، مذكرًا بِأَنَّ واشنطن تعد من أَقرب الدول إِلى مسقط وأَنَّ اختيار السلطنة يعود بالأساس إلى طبيعتها الكتومة وقدرتها على الحفاظ على سرية المباحثات ومنع تسرب أَيّ معلومات أَو صور إِلى الإعلام.
واعتَبَر أَنَّ ايران حرصت، قبل الذهاب إلى المفاوضات، على توجيه اشارات قوة، مفادها بِأَنها فرضت نفسها على الولايات المتحدة التي لم تكن راغبة في هذا المسار، لكنها اضطرت في النهاية إلى القبول به.
ورَأَ منير أَنَّ طهران سعت من خلال ذلك إلى امتلاك أَوراق قوة تحميها من الانتقادات الداخلية، لا سيما من المعارضة، في ظل المناخ الداخلي الحساس المعروف في إِيران.
وأَكَّدَ منير أَنَّ القيادة الإِيرانية تريد أَن تظهر بمظهر من ذهب إلى التفاوض من موقع قوة، بعد أَن تحدت وأَظهرت قدرتها العسكرية، ولو بشكل رمزي، وذلك للحفاظ على هيبة النظام وحمايته من أَي اهتزاز داخلي، خصوصًا وأَنَّ هذا النظام يستند إلى خطاب إيديولوجي ديني متشدد، ويحتاج باستمرار إلى مثل هذه الأَوراق الإِعلامية لتبرير خياراته أَمَامَ جمهوره.
وفي ما يتعلق بجدول أَعمال المفاوضات، أَشَارَ إلى أَنَّ النقاش سيشمل ملفات الصواريخ الباليستية والأذرع الاقليمية، معتبرًا أَنَّ ما يُقَال عن معرفة مسبقة بكل تفاصيل ما سيناقش يبقى موضع شك. ولفت إلى التباعد الكبير في المواقف، حيث تحدث الاميركيون عن 4 بنود أَساسية، في حين قدمت إِيران مقاربة مختلفة.
وأَبدَى منير تشككه في مسار المفاوضات، خصوصًا في ظل خفض الولايات المتحدة مستوى التصعيد العسكري والاستنفار في الشرق الاوسط، معتبرًا أَنَّ ذلك لا يعني التخلي عن خيار الحرب، بل يشير إلى وجود مدخل تفاهم يسمح بالذهاب إلى طاولة المفاوضات من دون ضمانات حول ما يمكن أَن ينتج منها في العمق.
وشدد على أَنَّ اختيار سلطنة عمان جاء بهدف منع تسريب أَي معلومات أَو صور، تمامًا كما حصل في مفاوضات العام 2015 التي أَدَّت إِلى الاتفاق النووي، حيث لم يعرف الكثير عن تفاصيلها في خلال انعقادها.
وأَكَّدَ منير أَنَّ ايران أَعلنت استعدادها للبحث في الملف النووي، لكنها ترفض العلنية في ما يتعلق بالصواريخ الباليستية، مشيرًا إلى أَنَّ أَيّ تفاهمات في هذا المجال، إِذا حصلت، ستبقى طي الكتمان.
وفي ما خص الاتصالات الاقليمية، تَوقَّفَ عند الاتصال الذي حَصَل بين وزيري خارجية إِيران والسعودية، معتبرًا أَنَّهُ يندرج في إِطار المساعي لمنع فشل المفاوضات، لِأَنَّ دول المنطقة لا ترغب في حرب قد ترتد عليها بشكل مباشر. ورَأَى أَنَّ الموقف الأَميركي الذي تحدث عن دخول 9 دول على خط الاتصالات يعكس محاولة لتوفير غطاء سياسي وإقليمي للمسار التفاوضي، من دون أَن يعني ذلك إِشرَاكًا فِعلِيًّا للحلفاء في تفاصيل القرار الاميركي.
وقَال منير إِنَّ واشنطن تسعى إلى تسويق مسار تفاوضي يخدم قرارًا كانت قد اتخذته سابِقًا، فيما تحاول الأَطراف الأُخرى الاستفادة من هذا المسار لتجنب مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على مصالحها ومواقعها في معادلة شديدة التعقيد.