خَاضَ المشهد السوري في خلال أَيام قليلة تحوُّلات ميدانية وسياسية متسارعة، ترافقت مع توقيع اتفاق مهم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي، في خطوة عكست تبدلًا واضحًا في موازين القوى ومسارًا جديدًا نحو تثبيت سلطة الدولة السورية على كامل أَرَاضِيها.
وقد جاءت هذه التطورات متزامنة مع انجازات ميدانية متلاحقة حققها الجيش السوري، بدأت من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب وامتدت تباعًا نحو مناطق واسعة في الرقة ودير الزور، في مواجهة قوات سوريا الديموقراطية قسد، التي وجدت نفسها أَمام واقع ميداني وسياسي ضاغط.
ولم تقتصر دلالات هذه المعركة على بعدها العسكري، بل حملت في طياتها رسائل سياسية واضحة، سواء من خلال الاتفاق الموقع أَو من خلال الوقائع الميدانية، باتجاه القوى والتيارات التي راهنت على مشاريع انفصالية أَو صيغ حكم ذاتي في بعض المناطق السورية، لا سيما في الساحل السوري ومحافظة السويداء. إِذ أَكَّدَت هذه التطورات أَنَّ خيار التقسيم لم يعد مطروحًا وأَنَّ وحدة سوريا تحت سلطة الدولة المركزية باتت خيارًا معززًا بتوافقات إِقليمية ودولية وبوقائع ميدانية جديدة ترسم ملامح مرحلة مختلفة عنوانُها تثبيت الاستقرار وإِنهاء مظاهر التفكك.
في قراءة لهذه التحولات، أَكَّدَ الصحافي والإعلامي السوري جهاد عدلة أَنَّ الاتفاق الذي وُقِّعَ عليه أَخيرًا كان اتفاقًا يُفتَرَض بِهِ أَن يكون دائمًا لا مُوَقَّتًا، مُعتَبِرًا أَنَّ هذا الاتفاق مرشح للتطور، خصوصًا في ظل المعطيات الاقليمية والدولية الجديدة.
ورَأَى عَبرِ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ تطورات الأَوضاع الميدانية والتحركات السياسية الأَخِيرَة تُوحِي بِرَفعِ الغطاء الأميركي عن قسد، نتيجة تعنتها ومماطلتها في تنفيذ الاتفاق الذي أُبرِمَ في 10 آذار من العام الماضي، مُعتبرًا أَنَّ بسط سيطرة الدولة السورية على باقي المواقع في الحسكة مسألة وقت لا أَكثَر.
وقَالَ عدلة إِنَّ قسد لم تعد تمتلك النفس القتالي ولا السياسي، لا سيما في ظل التوافق الدولي الواسع على وحدة سوريا واستقرارها تحت سلطة الدولة المركزية، مُوضِحًا أَنَّ الطروحات السابقة المتعلقة بالحكم الذاتي والإِدارة الذاتية فقدت أَي رَصِيد أَو قبول إِقليمي ودولي، إِذ إِنَّ المجتمع الدولي يبحث اليوم عن الاستقرار في الشرق الأوسط ويرى في سوريا مُفتاحًا أَسَاسِيًّا لتحقيق هذا الاستقرار.
وأَشَارَ إلى أَنَّ قسد لا مستقبل لها بصيغتها السياسية والعسكرية الحالية، وهي متجهة حُكمًا نحو الاندماج ضمن الدولة السورية، من دون امتلاك أَيِّ خيارات فعلية للرفض، خُصوصًا بعد ما أَظهَرَهُ الجيش السوري من قدرة عالية على المناورة، السيطرة وتحقيق الانجازات الميدانية بِأَقَلِّ كلفة بشرية ممكنة.
وفي تفسيره للانهيار السريع الذي شهدته صفوف قسد، لَفَت عدلة إلى أَنَّ جُملَةً مِنَ الأَسباب، أَبرزُهَا المناورات السياسية التي سبقت العمليات العسكرية، سواء عبر الاتصالات الاقليمية أَو عبر المرسوم الذي أَصدره الشرع، والذي لم يكن مناورة سياسية بقدر ما كان تعبيرًا عن رؤية استراتيجية شاملة، أَعَادَت التأكيد على الحقوق الطبيعية للمواطنين الأكراد ضمن إطار الدولة السورية.
وأَكَّدَ أَنَّ هذه الخطوات أفقدت السردية السياسية لقسد أَي مضمون أو شرعية، ما دفع شريحة واسعة من المقاتلين العرب داخلها إلى الانفضاض عنها والانحياز إلى الدولة السورية، خُصوصًا وأَنَّ القيادات العليا كانت كردية في حين أَنَّ القاعدة المقاتلة والقيادات الدنيا كانت بغالبيتها عربية، الأَمِر الذي أَفرغ قسد من قوتها العسكرية الحقيقية على الأَرض.
وشدد عدلة على أَنَّ ما حَصَل يشكل رسالة قوية وواضحة لكل من يطرح أَفكارًا انفصالية أَو مشاريع تفكيك أَو حكم ذاتي أَو وضع خاص، مُؤكِّدًا أَنَّ هذه المرحلة انتهت وأَنَّ الدولة السورية بسطت سيطرتها ونالت اعتراف المجتمع الدولي، الذي بات يتعامل معها بوصفها السلطة الشرعية، مقابل التزامات واضحة تجاه هذا المجتمع.
وأَوضَحَ أَنَّ مَا تبقى هو إِجراءات إِدَارِيَّة وترسيخ حضور الدولة في مختلف المناطق السورية، مع الإِشَارَة إلى خصوصية الوضع في محافظة السويداء التي تحتاج إلى ترتيبات إِضافية بسبب محاولات الكيان الاسرائيلي استثمار حساسيتها، مُؤكِّدًا، في الوقت نفسه، أَنَّن هذه المسألة مسألة وقت.
وبشأن الزيارة المرتقبة لمظلوم عبدي إلى دمشق، رَأَى عدلة أَنَّ الأَخير سيسمع من الرئيس أحمد الشرع خطابًا قائمًا على سياسة الاحتواء، وهي سياسة ميزت أَدَاء الرئيس على الرَّغمِ مِنَ الانتصارات العسكرية الكبيرة والانهيارات المتسارعة التي لحقت بتنظيم قسد، لافِتًا إلى أَنَّ الخطة ذات النقاط ال12 التي طرحتها الدولة منحت مقاتلي وقيادات قسد مواقع واعتبارات لم يكن ممكنا تحقيقها حتى بالقوة العسكرية، في مؤشر واضح على رغبة القيادة السورية في استيعاب كُلِّ مكونات المجتمع وعدم إِحدَاثِ شرخ في نسيجه الوطني.
وقَال إِنَّ سوريا تتجه بثبات نحو الاستقرار وبسط سيطرة الدولة على كامل أََراضيهَا، الوفاء بالتزاماتها الدولية والانطلاق في مسار تنموي شامل، لا سيما بعد استعادة السيطرة على منابع النفط، الغاز والأراضي الزراعية التي تشكل خزان القمح الأساسي في البلاد، مُعتَبِرًا أَنَّ الأَمُور تسير نحو الافضل وأَنَّ ما تبقى يحتاج فقط إلى بعض الوقت.

