April 15, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

بعد تراجع الذهب... باتريك مارديني يحذّر من الانجرار نحو المضاربة

تشهد أسعار الذهب في الفترة الأخيرة تراجعا ملحوظا بالتزامن مع التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا الانخفاض ومدى استمراريته في المرحلة المقبلة، في ظل الظروف الاقتصادية العالمية غير المستقرة.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي لدى الأفراد حول كيفية التصرف بممتلكاتهم من الذهب، وما إذا كان من الأفضل البيع أم الاحتفاظ به كخيار ادخاري طويل الأمد. كما يتزامن ذلك مع نقاش محلي حول إمكانِ تسييل جزء من الذهب العائد لمصرف لبنان أو استخدامه لتمويل كلفة إعادة الإعمار، وسط جدل حول مدى واقعية هذا الطرح وإمكانية تنفيذه، في ضوء القيود القانونية والاعتبارات الاقتصادية المرتبطة به.

في هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي باتريك مارديني إن الذهب، كغيره من الأصول في العالم، يخضع بطبيعته لتقلبات دورية، إذ يشهد ارتفاعا في بعض الفترات وانخفاضا في فترات أخرى، إلا أن الاتجاه العام على المدى الطويل يبقى تصاعديا، موضحا أنّ هذه التقلبات تعد جزءا طبيعيا من حركة الأسواق، ولا يمكن اعتبارها مؤشرا معزولا عن السياق الاقتصادي العالمي.


وفي تفسيره لأسباب تراجع أسعار الذهب خلال الفترة الحالية في ظل الحرب القائمة، أشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن مجموعة من العوامل تداخلت وأدت إلى هذا الانخفاض. وأبرز هذه العوامل هو الارتفاع الكبير في العوائد على سندات الخزانة الأميركية، حيث ارتفعت من نحو 0.5% إلى ما يقارب 4.5%، لافتا إلى أن هذا التحول جعل عددا من المستثمرين يعيدون النظر في محافظهم الاستثمارية، إذ بات بإمكانهم تحقيق عائد مضمون ومستقر نسبيا من هذه السندات، مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائدا مباشرا.


وقال مارديني إنّ بعض المستثمرين الذين كانوا يحتفظون بالذهب بدأوا ببيعه للاستفادة من الأرباح، ثم إعادة توظيف أموالهم في أدوات مالية أخرى توفر دخلا ثابتا، خصوصا في ظل حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي. وبالتالي، فإن جزءا من عمليات بيع الذهب يعود إلى ما يمكن وصفه بجني الأرباح وإعادة توزيع الاستثمارات نحو أصول ذات عوائد أعلى في المرحلة الراهنة، متحدثا عن عامل آخر يتمثل في سياسات بعض المصارف المركزية، حيث قامت بعض الدول، مثل تركيا، ببيع جزء من احتياطاتها من الذهب، مع وجود حديث عن احتمال لجوء دول أخرى، بما فيها بعض الدول الخليجية، إلى بيع كميات من الذهب لتأمين مصادر دخل بديلة في ظل تراجع أو عدم استقرار عائدات النفط.


ولفت أيضا إلى أن عددا من المستثمرين الأفراد والمؤسسات اتجهوا إلى بيع الذهب بهدف التوجه نحو الاستثمار في النفط، الذي شهد بدوره ارتفاعا في الأسعار، ما جعلهم يتوقعون تحقيق عوائد أعلى منه مقارنة بالذهب، معتبرا أنّ هذه العوامل مجتمعة تعكس سلوكا استثماريا يقوم على إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو الأصول الأكثر جاذبية من حيث العائد في الوقت الحالي.


وأكد مارديني أن الخلاصة العامة لهذه التحركات هي أن عددا من المستثمرين قرروا جني الأرباح من الذهب وإعادة توزيع استثماراتهم ضمن محافظ متنوعة، بدلا من التركيز على أصل واحد فقط، مشددا على أهمية التنويع في الاستثمارات كوسيلة لتقليل المخاطر وتحسين الاستقرار المالي على المدى الطويل.


وفي ما يتعلق بتوجيهات الأفراد، حذر من الانجرار نحو المضاربة اليومية في الأسواق، معتبرا أن هذا النوع من التداول، المعروف بِل Trading، يعتمد على تقلبات قصيرة الأجل وغالبا ما يؤدي إلى خسائر، نظرا لصعوبة التنبؤ بحركة الأسعار على المدى القصير.


وأوضح مارديني أن هذا السلوك يشبه إلى حد كبير المقامرة، حيث يخاطر المستثمر برأس ماله بناء على تحركات آنية وغير مستقرة، ناصحا الأفراد، لا سيما المدخرين، بالتركيز على الاستثمار طويل الأجل من خلال بناء محافظ استثمارية متنوعة تضم أصولا مختلفة مثل الذهب والأسهم وسندات الخزانة وربما النفط، بحيث تُوزع المخاطر وعدم الاعتماد على أصل واحد. وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تتيح للمستثمر التعامل مع تقلبات السوق من دون الحاجة إلى اتخاذ قرارات متسرعة مع كل تغير في الأسعار.


كما تطرق إلى النقاش الدائر حول إمكان استخدام ذهب مصرف لبنان لتغطية كلفة إعادة الإعمار، معتبرا أن هذا الطرح غير واقعي في الظروف الحالية. وأكد أن الذهب محمي بموجب القانون ولا يمكن المساس به بسهولة، حتى وإن كان من الممكن تعديل القوانين الناظمة لذلك، مشددا، في المقابل، على أنه لا ينصح بالقيام بِأي تعديل في الوقت الراهن.


وأوضح مارديني أن لبنان يعاني من فجوة مالية كبيرة تقدر بعشرات مليارات الدولارات، ما يعكس حجم الهدر والفساد الذي شهده الاقتصاد خلال السنوات الماضية. وبالتالي، فإن اللجوء إلى بيع الذهب لن يكون حلا فعالا، بل قد يؤدي إلى تكرار التجارب السابقة التي لم تحقق النتائج المرجوة، في ظل غياب الإصلاحات الهيكلية الضرورية.


وأشار إلى أن أي استخدام لعائدات الذهب في ظل النظام الحالي قد يساهم في توجيه الأموال نحو الهدر والفساد، سواء من خلال تضخيم كلفة المشاريع أو عبر صفقات غير شفافة أو استخدام الأموال في أغراض سياسية وانتخابية. وبالتالي، فإن النتيجة قد تكون فقدان جزء كبير من هذه الثروة دون تحقيق التنمية المطلوبة، مشددا على أنّ الأولوية يجب أن تكون لإعادة الإعمار من خلال شراكة مع القطاع الخاص، بدلا من الاعتماد الكامل على أموال الدولة أو احتياطياتها. وتحدث عن ضرورة توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار، مع ضمانات تمنع تكرار النزاعات أو الأزمات، بما يتيح تدفق الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد.


ورأى مارديني، في ختام حديثه، أن معالجة الأزمات الاقتصادية تتطلب إصلاحات جذرية وإدارة رشيدة للموارد، إلى جانب تبني سياسات استثمارية طويلة الأجل، بعيدا عن القرارات الآنية أو الحلول الموقتة.


ويبقى السؤال: هل من الممكن أن يلجأ لبنان، الذي يمتلك احتياطيا كبيرا من الذهب، إلى تسييل جزء منه كحل لا بد منه لمواجهة أزمته الاقتصادية أو لتمويل إعادة الإعمار، أم أن هذا الخيار يبقى محفوفا بالمخاطر ولا يشكل بديلا عن الإصلاحات الجذرية؟