March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

"المعدن الأصفر" يشغل العالم بقفزاته

يشهد الذهب ارتفاعًا متواصلًا منذ فترة، إلا أنّ القفزة الأخيرة حملت دلالةً استثنائية بعدما تجاوز المعدن الأصفر المرة الأولى عتبة 5100 دولار، مسجّلًا رقمًا قياسيًا جديدًا. هذا التطور لم يعد يُقرأ من زاوية العرض والطلب فقط، بل يفتح المجال أمام قراءة أوسع تتقاطع فيها السياسة بالإقتصاد، حيث تلعب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، التقلبات في الأسواق العالمية والصراعات التجارية والنقدية بين القوى الكبرى دورًا في دفع الذهب نحو هذا المستوى، مع ما يحمله من انعكاسات على ثقة المستثمرين والتحوّلات في النظام المالي الدولي.

وفي هذا السياق، يُطرح السؤال التحليلي الأبرز: هل يعكس هذا الارتفاع القياسي للذهب تحوّلًا طويل الأمد في النظام المالي العالمي، أم أنّه مجرد ملاذ موقت في وجه الأزمات والتوترات الدولية؟

في هذا الإطار، قدّم الباحث في الشأن السياسي والإقتصادي الدكتور بلال عدنان علامة قراءة تحليلية لأسباب هذا الارتفاع، آفاقه المستقبلية وانعكاساته على الأسواق العالمية وعلى لبنان، مًؤكِّدًا أَنَّ الذهب شهد ارتفاعات حادة في السابق، لذلك لا يمكن وصف القفزة الحالية بأنها غير مسبوقة من حيث حركة السعر نفسها، إلا أنّ تخطيه عتبة ال 5100 دولار يُعتبر رقمًا قياسيًا لم يشهده السوق من قبل.

 

وأشار عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ الارتفاع يعود إلى مجموعة متداخلة من العوامل، في مقدّمها الاضطرابات الجيوسياسية التي تطال ما يقارب ثلاثة أرباع العالم، إضافةً إلى التداعيات الناتجة عن القرارات الأميركية الارتجالية في المرحلة الأخيرة، فضلًا عن الصراع غير المعلن بين منظمة "البريكس" والولايات المتحدة، لا سيّما على مستوى العملة الرئيسية في العالم والتداولات التجارية. ولفت إلى أنّ تراكم هذه العوامل يدفع الذهب تدريجيًا نحو مسار تصاعدي طالما أن المشهد العالمي لا يزال مأزومًا.

 

وأوضح علامة أنّ السوق دخلت فعليًا في مسار صعودي بدأ منذ نحو عام، مرجّحًا استمراره، وإن بوتيرة متفاوتة، إذ قد تتراجع القفزات الحادة لصالح ارتفاع تدريجي يخضع لآليات العرض والطلب، مع ما يُعرف بإعادة تسوية الأسعار في كل مرحلة، مُستَبعِدًا حصول تراجع كبير في الأسعار. واعتَبَرَ أَنَّ التصحيحات المحتملة ستكون محدودة، نظرًا إلى أنّ من اشترى الذهب أو خزّنه لن يعمد إلى بيعه بسهولة، ما يمنع طرح كميات كبيرة في السوق تؤدي إلى انخفاضٍ حاد.

 

وفي ما يتعلّق بدور التوترات الدولية، شدّد على أن الذهب لطالما شكّل ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطرابات والتحضير للحروب، ما يدفع دولًا، شركات ومستثمرين أفراد إلى تحويل جزءٍ من استثماراتهم من العملات أو الأصول الخفيفة إلى المعادن، وعلى رأسها الذهب، معتبرًا أن هذا التوجّه مرشّح للاستمرار في المرحلة المقبلة.

 

أما بالنسبة للفضة، فبيّن علامة أنها تشهد بدورها مسارًا تصاعديًا لافتًا، وقد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، لكن لأسباب مختلفة جزئيًا، أبرزها إقبال صغار المستثمرين عليها نتيجة انخفاض كلفتها مقارنة بالذهب، إضافة إلى الطلب الصناعي المتزايد عليها، لا سيما في صناعة الشرائح الإلكترونية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ونوّه بأنّ الفضة باتت عنصرًا أساسيًا في هذه الصناعات نظرًا لفعاليتها وكلفتها الأقل مقارنة بمعادن أخرى، ما عزّز الطلب عليها في ظل السباق العالمي على الموارد الأولية المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة، معتبرًا أنّها تشكّل خيارًا استثماريًا مكمّلًا، لا بديلًا عن الذهب، نظرًا لاختلاف طبيعة الاستثمار الصناعي عن الاستثمار الادخاري.

 

وفي ما يخصّ لبنان، فأكّد أَنَّ البلاد تمتلك ثاني أكبر احتياطي ذهب في العالم العربي، وربما من بين الأكبر مقارنة ببعض دول العالم الثالث، مُشيرًا إلى أَنَّ ارتفاع أسعار الذهب في خلال العام 2025 ساهم، ولو بشكل محدود، في تحقيق بعض الانتعاش الاقتصادي وتحريك النشاطات التجارية كما ساعد على تكوين مخزون مهم من العملات الأجنبية، ما وفّر بعض الاستقرار وقلّص حدّة نقص الاحتياطيات، مع الإشارة إلى أنّ النمو بقي طفيفًا جدًا وفق تقديرات البنك الدولي والمؤسسات الدولية.

 

وقَال علامة إِنَّ الاستثمار في المعادن قد يشكّل خيارًا آمنًا للبنانيين على المدى الطويل، محذّرًا في المقابل من الانخراط في المضاربات قصيرة الأجل، نظرًا لعدم قدرة المستثمر الفرد على تحمّل تقلبات السوق العالمية، خصوصًا وأن العوامل المؤثرة تبقى خارج إرادته. كما كشف أن عددًا من الدول المنتجة للمعادن، وفي مقدّمها الصين، بدأت بفرض قيودٍ على استخراج وبيع هذه الموارد بسبب ندرتها والصراع العالمي عليها، الأمر الذي مِن شأنه أن يعزّز الاتجاه التصاعدي لأسعار الذهب والفضة في المرحلة المقبلة.