ابتداءً من 1 كانون الثاني/يناير 2026، تدخل سوق الفضة العالمية مرحلة مفصلية مع إعلان الصين تقييد صادراتها من هذا المعدن عبر نظام تراخيص حكومية خاصة. خطوةٌ قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل أسعار الفضة، ودورها في الاقتصاد الصناعي الجديد، وإمكانية تحوّلها إلى معدن استراتيجي في صراع سلاسل الإمداد العالمية.
لا تستمدّ الصين ثقلها في سوق الفضة من كونها ثاني أكبر منتج عالمي بحصة تقارب 13% من الإنتاج فحسب، بل من موقعها المفصلي داخل سلسلة القيمة العالمية. إذ تسيطر على ما يقارب 70% من عمليات تكرير ومعالجة الفضة في العالم، فضلًا عن دورها المحوري في تجارة السبائك والمنتجات نصف المصنّعة. هذا الواقع يجعل أي قرار تنظيمي صيني مؤثّرًا مباشرة في السوق العالمية، حتى بالنسبة للدول التي لا تستورد الفضة من الصين، لكنها تعتمد في صناعاتها على فضة جرى تكريرها أو تصنيعها داخلها.
وتُقدَّر صادرات الصين السنوية من الفضة بنحو 3000 طن متري. إخضاع هذه الكميات لنظام تراخيص حكومية يعني عمليًا تقليص حجم العرض العالمي المتاح، ورفع كلفة التوريد، وزيادة حدّة المنافسة بين المستوردين. وفي أسواق السلع الأولية، غالبًا ما يُترجم أي اختلال في التوازن بين العرض والطلب إلى تقلبات حادة في الأسعار، خصوصًا عندما يكون الطلب غير مرن، كما هي الحال في القطاعات الصناعية التي لا تملك بدائل تقنية حقيقية عن الفضة.
في المقابل، يترافق هذا القرار مع طلب صيني داخلي متسارع. فبحسب تقديرات السوق، استهلكت الصين خلال العام الجاري نحو 611 مليون أونصة فضة، أي ما يقارب 40% من الطلب العالمي. هذا الطلب يأتي من قطاعات تشكّل العمود الفقري للتحوّل الاقتصادي العالمي، وفي مقدّمها الطاقة الشمسية والخلايا الكهروضوئية، والصناعات الإلكترونية الدقيقة، والسيارات الكهربائية وتقنيات تخزين الطاقة. هنا، تخرج الفضة من كونها معدنًا استثماريًا تقليديًا، لتتحوّل إلى مادة استراتيجية في اقتصاد منخفض الانبعاثات وعالي التقنية.
هذا التلاقي بين تشديد المعروض عالميًا وتسارع الطلب الصناعي أعاد فتح النقاش حول مستقبل أسعار الفضة. في أوساط المحللين، تُتداول سيناريوهات تتحدّث عن إمكان وصول سعر الأونصة إلى مستويات تقارب 100 دولار خلال السنوات المقبلة. غير أنّ هذا المسار لا يُنظر إليه بوصفه خطيًا أو مضمونًا، إذ يحذّر مستثمرون من مخاطر المضاربة المفرطة.
يتجاوز القرار الصيني البعد الاقتصادي المباشر ليقع في صلب تحوّل جيو-اقتصادي أوسع، تتحوّل فيه المواد الأولية إلى أدوات نفوذ سياسي واستراتيجي. فكما استُخدمت الطاقة والغذاء سابقًا في إدارة الصراعات الدولية، تبدو المعادن الاستراتيجية اليوم، ومنها الفضة، جزءًا من معركة السيطرة على التكنولوجيا الخضراء وسلاسل الإمداد الصناعية. وفي عالم يسعى إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، تصبح الفضة عنصرًا حاسمًا في ميزان القوى بين الدول، لا مجرّد سلعة تخضع لقوانين السوق التقليدية.
بذلك، لا يمكن قراءة الخطوة الصينية كإجراء إداري عابر. نحن أمام تحوّل بنيوي في سوق الفضة العالمية، يعيد رسم قواعد التسعير والتنافس، ويدفع الأسواق نحو مرحلة أكثر تقلّبًا، أعلى مخاطر، وأوسع فرص.
السؤال لم يعد ما إذا كانت أسعار الفضة سترتفع، بل كيف ستُدار هذه المرحلة، ومن سيدفع كلفة إعادة التسعير، ومن سيحصد مكاسبها؟