مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في لبنان، المقرّرة دستوريًا في شهر أيار المقبل، يعيش المشهد السياسي حالة من الترقّب الممزوج بالقلق. فعلى الرغم من التأكيدات الرسمية المتكرّرة بأن الاستحقاق سيُجرى في موعده، لا تخفي معظم القوى السياسية هواجسها من المتغيّرات المتسارعة، داخليًا وإقليميًا، والتي قد تنعكس على مسار العملية الانتخابية أو تُستخدم ذريعة لفرض تأجيل قسري، في حال طرأ ما هو "أكبر" من هذا الاستحقاق.
في الواقع، لا يبدو أن فكرة التأجيل بعيدة عن حسابات عدد من الأحزاب، ولا سيما تلك التي ترغب في إطالة عمر ولاياتها النيابية قدر الإمكان، خشية تحوّلات سياسية قد تعصف بتوازناتها الحالية، سواء بفعل تغيّرات داخلية أو نتيجة تطوّرات إقليمية لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن معظم النواب الحاليين سيترشّحون مجددًا، في محاولة للحفاظ على مواقعهم داخل المجلس النيابي المقبل.
في موازاة ذلك، تتقاطع التقديرات السياسية والإحصائية عند توقّع تراجع نسبة المشاركة الشعبية مقارنة بانتخابات عام 2022، التي بلغت نحو 49.68 في المئة. ويُعزى ذلك إلى مجموعة عوامل أساسية، أبرزها أن انتخابات 2022 جاءت في ذروة تداعيات انتفاضة 17 تشرين 2019، وما رافقها من مناخ احتجاجي وأمل واسع بالتغيير، في ظل ضيق الشارع اللبناني بالأحزاب والوجوه التقليدية التي حُمّلت مسؤولية الانهيار المالي والاقتصادي غير المسبوق.
كما لعب تفجير مرفأ بيروت دورًا مفصليًا في رفع منسوب النقمة الشعبية على الطبقة السياسية، التي اعتبرها كثيرون مسؤولة عن الإهمال والاستهتار بأرواح اللبنانيين. إلى جانب ذلك، شكّلت مشاركة المغتربين عاملًا حاسمًا في تعديل المعادلات الانتخابية، وأسهمت في إيصال وجوه جديدة إلى البرلمان، بدعم من حالة الاعتراض العامة، ومن تعليق عمل الرئيس سعد الحريري وعدم خوضه الانتخابات آنذاك، ما فتح المجال أمام قوى وشخصيات جديدة لتحقيق اختراقات وازنة.
اليوم، وبعد مرور أربع سنوات على تلك التجربة، ورغم التحوّلات السياسية التي شهدها لبنان، من انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، لا يبدو أن شريحة واسعة من المواطنين لمست تغييرًا ملموسًا في الأداء السياسي أو في أسلوب الحكم. بل على العكس، تتزايد حالة التململ الشعبي، وتتعمّق القناعة بأن المنظومة السياسية لا تزال هي نفسها، مهما تبدّلت الأسماء والوجوه.
أما تجربة "نواب التغيير"، التي علّقت عليها آمال كبيرة، فلم تنجح، بحسب كثيرين، في الارتقاء إلى مستوى تطلعات اللبنانيين، سواء لناحية الأداء التشريعي أو القدرة على إحداث خرق فعلي في بنية النظام السياسي. هذا الواقع أسهم في تآكل الثقة بفكرة التغيير من داخل المؤسسات، وأعاد منسوب الإحباط إلى مستويات مرتفعة، ما ينعكس مباشرة على الحماسة للمشاركة في أي استحقاق انتخابي مقبل.
في هذا السياق، يُرجَّح أن تكون الأحزاب التقليدية وحدها القادرة على حشد قواعدها التنظيمية، ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج مجلس نيابي بأعداد متقاربة من حيث التوازنات، مع تغيّر محدود في الوجوه، من دون تبدّل جوهري في المشهد العام.
غير أن المتغيّر الأبرز، مقارنة بانتخابات 2022، يتمثّل في احتمال مشاركة "تيار المستقبل" في هذا الاستحقاق. وفي حال قرر التيار خوض الانتخابات بقيادة الرئيس سعد الحريري شخصيًا، يرى مراقبون أن ذلك قد يشكّل مفاجأة انتخابات 2026. فبحسب مطّلعين، لا يقتصر الحنين إلى عودة الحريري على الشارع السني فحسب، بل يمتد إلى شريحة وطنية أوسع ترى في حضوره عنصر توازن مفقود.
ويذهب بعضهم إلى حدّ اعتبار أن عودة "المستقبل"، حتى من دون تحالفات كبرى أو دعم مالي استثنائي، قد تُمكّنه من حصد أكبر كتلة نيابية على امتداد الوطن، ما يعيد رسم صورة المجلس النيابي إلى ما يشبه مرحلة ما قبل 2022، لناحية الأحجام والتوازنات، مع تغيّر نسبي في بعض الأسماء، بانتظار ما قد تحمله السنوات الأربع المقبلة من اختبارات فعلية للأداء السياسي.