رسم البيان المشترك الذي صدر عقب اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، خريطة الحل للأزمة الراهنة التي يعيشها لبنان، وتمحورت حول بندين أساسيين: سحب السلاح غير الشرعي، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من المناطق الجنوبية المحتلة.
وإذ أكد البيان أهمية تعزيز سلطة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، مشيدًا بالخطوات التي اتخذتها في هذا الشأن، شدد على أن التطبيق الكامل للقرار 1701 يبقى الحل الأمثل لإخراج لبنان من المستنقع الحالي.
وعلى الرغم من أهمية هذا البيان، ولا سيما أنه صادر عن جهتين تتمتعان بموقع بارز، إقليميًا بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، ودوليًا بالنسبة إلى فرنسا، يبقى السؤال حول مدى إمكانية انتقال مندرجاته من حيز المواقف إلى حيز التنفيذ، في ظل السيطرة الأميركية على القرارات الإقليمية، ومن ضمنها ما يتعلق بلبنان، فضلًا عن موقفي كل من إسرائيل وإيران، المعنيتين بشكل مباشر بوقائع الأحداث ومجرياتها في جنوب لبنان.
وفي قراءته لمندرجات البيان السعودي - الفرنسي المشترك، أكد رئيس التجمع اللبناني في فرنسا، الصحافي كمال طربيه، أن البيان تضمن تأكيدًا لمواقف ورؤية مشتركة باتت معروفة لدى كل من باريس والرياض حيال الوضع اللبناني، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، والتشديد على تطبيق القرار 1701 ونزع سلاح جميع الميليشيات والقوى غير الشرعية، إضافة إلى دعم الدولة اللبنانية ورئيس الجمهورية والحكومة في إجراءاتهم السياسية والاقتصادية والإصلاحية.
وقال، عبر منصة "بالعربي"، إن المضمون الأساسي للبيان يتمثل في هذه العناوين، إلا أن الملاحظ أنه جاء بمثابة إعلان نوايا وتكرارًا لمواقف فرنسية وسعودية معروفة، معتبرًا أن ما يلفت فيه هو خلوه من أي خطة واقعية أو عملية تتيح الانتقال بهذه الأهداف من مستوى المواقف إلى مستوى التنفيذ.
وفي هذا السياق، طرح طربيه سلسلة من الأسئلة حول آليات تنفيذ ما ورد في البيان، متسائلًا عن قدرة فرنسا والسعودية على إلزام إسرائيل بالانسحاب من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، ومشيرًا إلى أن الأمر نفسه ينطبق على ملف نزع سلاح حزب الله، باعتبار أن إيران هي الجهة التي تملك القرار الأساسي المتعلق ببقاء هذا السلاح أو سحبه. وتساءل: هل تملك فرنسا والسعودية القدرة على ممارسة الضغط على إيران لكي تضغط بدورها على حزب الله، أو تطلب منه تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية؟ معتبرًا أن الإجابة، في الظروف الراهنة، هي بالنفي. وأشار إلى أن المواقف السعودية والفرنسية، على الرغم من ذلك، يمكن أن تشكل دعمًا مهمًا للبنان، من خلال الاحتضان العربي والدولي لمطالبه المشروعة، إلا أن "التنفيذ يبقى شيئًا آخر".
واعتبر أن الأهم في زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تمثل في الاتفاق على تعزيز التعاون الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، معتبرًا أن السعودية، شأنها شأن دول خليجية أخرى، باتت تبحث عن شريك دفاعي موثوق لتأمين مصالحها الأمنية والسياسية والاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة، بعيدًا عن الولايات المتحدة، التي اعتبر أنها تخلت عن التزامها التاريخي بالحفاظ على أمن الخليج، ولا سيما بعدما لم تتصد للدفاع عن دوله في مواجهة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وأضاف أن ما كان يأمل أن يتضمنه البيان، في ما يتعلق بلبنان، هو معالجة أكثر وضوحًا للوضع في الجنوب، خصوصًا مع قرب خروج قوات اليونيفيل من جنوب لبنان، متسائلًا عن إمكانية وضع خطة لنشر قوات دولية تحل محلها. ولفت إلى أن هذا الأمر لم يكن ظاهرًا في البيان المشترك، كما لم يتطرق البيان إلى المؤتمر الذي دعت إليه فرنسا لدعم الجيش اللبناني، رغم إشارته إلى رغبة البلدين وتصميمهما على تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية.
وقال إن البيان لم يتضمن كذلك أي إشارة إلى موعد المؤتمر أو إلى مدى استعداد المملكة العربية السعودية للمشاركة فيه بقوة وتقديم مساهمة أساسية، معتبرًا أن اللبنانيين يستطيعون الاطمئنان إلى الدعم السياسي والدبلوماسي الذي تقدمه الرياض وباريس، لكن القرار والإجراءات الكفيلة بإخراج لبنان من مأزقه السياسي والأمني الراهن لا تزال، برأيه، بيد الولايات المتحدة الأميركية.
وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي ومدى التنسيق مع واشنطن بشأن البيان السعودي - الفرنسي، أوضح طربيه أن الانشغال الأساسي للولايات المتحدة يتمثل حاليًا في الحرب مع إيران، وأن الوضع اللبناني يأتي في مرتبة ثانوية بالنسبة إليها. وقال إن غياب أي حل لأزمة مضيق هرمز، أو أي تسوية أو إعادة إنتاج تفاهم إيراني - أميركي ينهي الأزمة في الخليج، يجعل المنطقة أمام عملية شراء للوقت من مختلف الأطراف، سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة أمام استحقاق الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، التي ستحدد ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيتمكن من الحفاظ على أكثرية داعمة له في الكونغرس، بما يسمح له بمواصلة سياساته الداخلية. كما اعتبر أن العامل الانتخابي حاضر أيضًا في إسرائيل، حيث سيكون مصير حكومة بنيامين نتنياهو مرتبطًا بنتائج الانتخابات، فيما تلعب إيران، بحسب طربيه، على عامل الوقت، مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة وإسرائيل باستحقاقاتهما الداخلية.
واعتبر أن طهران تمتلك متسعًا من الوقت للمماطلة والاستمرار في سياستها في لبنان من دون الذهاب إلى حرب شاملة، بانتظار انتهاء الاستحقاقين الانتخابيين في واشنطن وتل أبيب، وعندها قد يصبح المشهد مختلفًا، وقد تتخذ الأطراف المعنية قرارات استراتيجية جديدة.
وختم طربيه بالقول إن الأمور، في تقديره، مجمدة حاليًا، وإن المطلوب هو الانتظار، معتبرًا أن لبنان لا يزال عالقًا في دوامة الانتظار، وهي دوامة حارقة ومؤذية، لكن هذا هو واقع الحال في المرحلة الراهنة.
وعليه، فإن ترجمة العناوين الواردة في البيان السعودي - الفرنسي إلى خطوات عملية تبقى التحدي الأبرز، في ظل تضارب المواقف الأميركية والإسرائيلية والإيرانية وتأثيرها المباشر في مسار الأزمة اللبنانية، لتبقى المسألة الأساس: هل تنجح الرياض وباريس في تحويل هذه المواقف إلى مسار فعلي للحل، أم يبقى لبنان، مرة جديدة، عالقًا في دوامة الانتظار؟