عقب تصريحاته المدوية بشأن لبنان والجولان، والتي أثارت اعتراضًا لبنانيًا واسعًا، عاد المبعوث الأميركي توم برّاك ليقدم توضيحًا لمواقفه، مؤكدًا أن حديثه عن غياب طرف صاحب قرار في المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، وقوله إن إيران وحزب الله هما صاحبا القرار، لم يكن دعوة لإشراكهما في أي مفاوضات مباشرة، مشددًا أيضًا على أن واشنطن لا تتفاوض مع حزب الله، كونه مصنفًا لديها منظمة إرهابية.
برّاك، ورغم تأكيده أن ما أراد إيصاله عبر تصريحه هو أن تنفيذ إطار يونيو يفرض مواجهة صريحة مع مسألة من يملك السلاح ومن يزوّده به، وأن إيران هي التي تزوّد حزب الله بالسلاح، ترك تساؤلات كثيرة حول نظرة الخارج إلى الدولة اللبنانية، والأهم حول الأسباب التي سمحت أصلًا لمسؤول دولي بالتطرق إلى مسألة السيادة اللبنانية بهذه الطريقة. فلبنان، الذي يمتلك السلطة الشرعية والجيش والمؤسسات الدستورية، لماذا يسمح بأن يكون ساحة لتعدد مراكز القرار والنفوذ؟ ولماذا لا تفرض الدولة نفسها مرجعية وحيدة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه؟
وتعليقًا على كلام برّاك، أكد نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية، الدكتور برنارد جرباقة، أن توصيف برّاك بأن المفاوضات تفتقد إلى طرف صاحب قرار يربط ملف التفاوض مع إسرائيل بقدرة إيران وحزب الله على اتخاذ القرار، معتبرًا أن الرد على هذا التوصيف يجب أن يكون قانونيًا ومؤسساتيًا قبل أن يكون سياسيًا. فالدستور اللبناني واضح، إذ تنص المادة الثانية على أن "لبنان دولة ذات سيادة"، فيما تنص المادة 52 على أن "رئيس الجمهورية يتفاوض ويبرم المعاهدات بعد موافقة مجلس الوزراء"، والمادة 53 على "أن الحكومة هي التي ترسم السياسة العامة"، ما يجعل الدولة اللبنانية ومؤسساتها صاحبة القرار الشرعي في التفاوض والالتزام باسم لبنان.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الواقع الميداني ساهم في تكريس صورة مختلفة لدى الخارج، لافتًا إلى أنه منذ عام 2006 وصولًا إلى حرب 2024، كانت جولات التصعيد الكبرى مع إسرائيل تبدأ بقرار من حزب الله وتتوقف بتفاهمات يدخل فيها الحزب وإيران، ما جعل المبعوثين الأجانب يتعاملون مع أكثر من عنوان في لبنان. واعتبر أن التوصيف الأميركي دقيق جزئيًا في تشخيص الجهة التي تطلق النار وتوقفها ميدانيًا، لكنه يتجاوز مسألة الجهة التي تملك الشرعية للتفاوض والتوقيع والالتزام دوليًا، مع تحميل إسرائيل وحزب الله مسؤولية الحرب وما نتج عنها من دمار وتهجير، مستشهدًا بخطاب القسم والبيان الوزاري كمرجعية تجمع اللبنانيين حول دور الدولة ومؤسساتها.
وبيّن جرباقة أن التوصيف الأميركي دقيق جزئيًا في تشخيص من يطلق النار ويوقفه ميدانيًا، كما أنه يحمّل إسرائيل وحزب الله مسؤولية الحرب وما نتج عنها من دمار وتهجير، لكنه يتجاوز، في المقابل، مسألة من يملك الشرعية للتفاوض والتوقيع والالتزام دوليًا. وهنا يأتي التحدي اللبناني: الدولة تملك الشرعية الدستورية لاحتكار السلاح وقرار السلم والحرب، فيما لا تزال هناك قوة ميدانية تتحرك من دون غطاء دستوري، في مواجهة جيش احتلال.
واعتبر أن الحل يكمن في استعادة الدولة دورها، والبدء بقرار سياسي واضح من خلال بيان وزاري وخطة زمنية لحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب جيش لبناني ينفذ قرارات مجلس الوزراء، وحكومة تعطي الأوامر الواضحة لتنفيذ البيان الوزاري. كما يتطلب الأمر، بحسب رأيه، بسط سلطة الجيش عبر نشره على كامل الحدود الجنوبية والشرقية، ومصادرة أي سلاح خارج إطاره، وتكريسه مرجعًا وحيدًا لأي رد على اعتداء إسرائيلي، بالتوازي مع إصلاح القضاء والجمارك والمطار والمعابر، لأن السيادة من دون دولة قوية تبقى شعارًا.
وأكد أن المطلوب هو الحسم، مستندًا إلى تجربة 22 عامًا من الجمع بين النأي بالنفس والمقاومة، والتي يرى أنها أثبتت، بعد 44 عامًا على استشهاد الرئيس بشير الجميل، عدم قدرتها على حماية لبنان من الحروب أو تأمين الاستقرار. لكنه شدد على أن الحسم لا يعني بالضرورة مواجهة داخلية، بل وعيًا وطنيًا بأن الخسارة قد تكون شبيهة بما حصل في غزة، وهو ما ترفضه أكثرية اللبنانيين لما ينطوي عليه من منطق انتحاري، معتبرًا أن الدولة تبقى هي السيدة والجامعة، وهي أيضًا الضمانة والحماية، من خلال قاعدة "لا سلاح إلا سلاح الدولة"، بالتوازي مع ضمانات أمنية للشعب وضمانات للعمل السياسي للجميع.
وفي ما يتعلق بالتقاطع اللبناني - الأميركي - العربي، رأى جرباقة أن المرحلة الحالية تشكل فرصة حقيقية للبنان، مشيرًا إلى أن واشنطن تريد استقرار الحدود مع إسرائيل ووقف جبهة الإسناد، فيما يريد العرب، وخصوصًا الخليجيين، عودة لبنان إلى الدائرة العربية، وعودة الاستثمارات، ووقف التهريب، بينما يحتاج لبنان إلى إعادة الإعمار والأموال ورفع العقوبات وجيش قوي. واعتبر أن هذا التقاطع لم يحصل منذ عام 2005، ويمكن ترجمته من خلال دعم الجيش، وإعادة الإعمار، والضغط على إسرائيل لوقف الخروقات.
إلا أن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، وفقًا لرأيه، لأن مصالح الدول قابلة للتبدل، موضحًا أنه في حال حصول تفاهم أميركي - إيراني مباشر، قد يتحول لبنان إلى بند ضمن صفقة أكبر، كما أن تغير الإدارة الأميركية أو أولوياتها قد يؤدي إلى تبدل مستوى الدعم. لذلك، خلص إلى أن المطلوب هو الاستفادة من هذا التقاطع من دون تحويل الخارج إلى بديل عن القرار الداخلي، لأن الخارج يدعم من يملك قراره، مرجحًا أنه إذا دخل لبنان هذه المرحلة من دون مشروع داخلي موحد، فسيصبح بندًا وأمنه أداة، أما إذا دخلها ضمن مشروع وطن للجميع ودولة قانون ومؤسسات، فيمكن أن يتحول الدعم الخارجي إلى رافعة للسلام والسلم والأمن والازدهار.
وعن الضمانات التي تحمي لبنان في حال تغيرت الأولويات الأميركية أو حصل تفاهم أميركي - إيراني، اختصر جرباقة موقفه بالقول إن لا شيء يضمن لبنان إلا لبنان نفسه. واستذكر، في هذا الإطار، اتفاق الطائف عام 1989، واتفاق 17 أيار عام 1983، والقرار 1701، معتبرًا أن هذه المحطات أصبحت جزءًا من تسويات إقليمية ودولية، فيما أضاع اللبنانيون فرصًا عدة على مدى 51 عامًا.
وأفاد بأن بناء قرار لبناني مستقل يحتاج إلى ميثاق وطني جديد حول مرجعية الدولة، يقوم على أن يكون قرار الحرب والسلم بيد مجلس الوزراء، وأن يكون تنفيذ الخطط العسكرية حصرًا بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، بما يفك ارتباط لبنان بأي محور. كما لفت إلى ضرورة وجود جيش قوي، لأن لا سيادة بلا قوة، مع الاستمرار في دعمه وتسليحه وتوحيده، وإلى ضرورة وجود اقتصاد منتج، لأن الدولة المفلسة والمعتمدة على مساعدات الخارج لا تملك قرارها، فيما يشكل الإصلاح وجذب الاستثمارات أساسًا لاستقلالية أكبر. وأضاف إلى ذلك ضرورة اعتماد دبلوماسية تقوم على الحياد الإيجابي والعودة إلى سياسة "لبنان أولًا"، بما يمنع استنزاف لبنان كساحة لأحد أو جبهة لأحد.
وختم جرباقة بأن لبنان، إذا حصل تفاهم أميركي - إيراني وكان يملك دولة قوية، سيكون شريكًا في التسوية، أما إذا بقيت الدولة ضعيفة فسيكون موضوعًا للتسوية ويدفع ثمنها، متسائلًا: "هل نحن جاهزون لنكون دولة، حتى لو تخلى عنا الجميع غدًا؟"، معتبرًا أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان لبنان دولة، أو أقل من دولة، أو أكثر من دولة.
في الخلاصة، كلام برّاك، رغم أنه لا يبرر بأي شكل تجاوز موقع الدولة اللبنانية وسيادتها، كشف، في المقابل، واقعًا لا يمكن تجاهله، ووضع الدولة أمام مسؤولية استعادة موقعها الطبيعي كمرجعية وحيدة للقرار. فسيادة الدولة لا تثبت بالاعتراض على كلام الخارج، بل بقدرتها الفعلية على فرض سيادتها ومنع أي طرف آخر من التحكم بقراراتها.