في ظل تصاعد الجدل حول مسار التفاوض مع إسرائيل، عادت كتلة الوفاء للمقاومة إلى رفع سقف موقفها، داعية السلطة اللبنانية إلى إعلان سقوط صيغة اتفاق الإطار والانسحاب من المفاوضات وجولاتها، التي وصفتها بـ "المخزية".
لكن أمام هذا الموقف، يبرز السؤال الأهم: إذا كان التفاوض مرفوضا، فما البديل؟ وهل يعني رفضه العودة إلى خيار الحرب، بعدما دفع لبنان والجنوب كلفة باهظة من الدم والدمار والنزوح؟ وهل يملك البلد اليوم القدرة على تحمل مواجهة جديدة.
وفي هذا السياق، قال مدير تحرير جريدة النهار الصحافي غسان حجار إن من حق كتلة نواب حزب الله أن تكون في موقع المعارضة وأن تعترض على سياسات الحكومة، بما فيها مسار التفاوض وتوقيع اتفاق الإطار، موضحا أنه من حق أي طرف سياسي أن يكون معارضا. وشدد على أن المعارضة تشكل عنصرا أساسيا في تصويب الحياة السياسية ومراقبة أداء السلطة، شرط أن تبقى ضمن إطارها السياسي وألا تتجاوز الأطر المسموح بها في العمل السياسي.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن لجوء الأحزاب إلى الشارع قد يكون أمرا معمولا به في بعض الدول، إلا أن خصوصية الوضع اللبناني تجعل الشارع شديد الحساسية، وقد يؤدي إلى توتير العلاقات بين المكونات اللبنانية وزيادة الانقسامات بينها، لذلك فإن اللجوء إلى الشارع في أي خطوة من هذا القبيل أمر غير مستحب. وقال إن المعارضة السياسية أمر مشروع، ومن حق نواب حزب الله أو الكتلة النيابية التي ينتمون إليها ممارسة دورهم المعارض. لكن المعارضة، بحسب رأيه، لا تكتمل بمجرد الرفض، إذ إن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو ماذا بعد؟ فإذا كان هناك رفض لأي خيار، يفترض أن يقدم في المقابل بديل يكون أفضل منه.
وقال حجار إن السؤال اليوم هو ما البدائل التي يمكن اعتمادها لإخراج لبنان من الأزمة التي يعيشها، والتي كان حزب الله أحد مسبباتها، إذا لم نقل إنه المسبب الوحيد لها، مع الإشارة إلى أن إسرائيل لطالما كانت لديها أطماع في لبنان والمنطقة، ولديها ميل إلى الحروب وإلى حل النزاعات بالقوة.
ورأى أن الحروب الأخيرة، وبغض النظر عما تقوله إسرائيل عن دوافعها، فإن الحروب التي خاضها حزب الله تحت عنوان الإسناد، سواء إسناد غزة أو إسناد إيران، أدت عمليا إلى توسيع الحرب على لبنان، وأوصلت البلد إلى الوضع الذي يعاني منه اليوم. وقال إن أمام لبنان خيار الحرب وخيار التفاوض، فإذا كان هناك خيار ثالث لا نعرفه، فليقدمه حزب الله للبنانيين وليشرح ما هو هذا الخيار وكيف يمكن أن يشكل مخرجا للأزمة التي يعيشها لبنان.
وفي مقاربة خيار الحرب، اعتبر حجار أن لبنان اختبر هذا الخيار، ولا يمكن إلا القول إنه صمد في هذه الحرب، لكن الصمود لا يعني الانتصار بالمطلق، بل هو صمود على الرغم من كل الخسائر الفادحة التي تكبدها لبنان واللبنانيون، والتي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم، موضحا أن نحو 25 ضيعة دمرت بالكامل، فيما لا تزال ما بين 50 و60 ضيعة تحت مرمى النيران والحصار الإسرائيلي، إضافة إلى مئات الآلاف من النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم، فضلا عن الخسائر المادية والاقتصادية الكبيرة، والوضع السياسي المربك الناتج عن كل ذلك.
ولفت إلى أن لبنان جرب الحرب، ويمكن القول إنه خسرها بالمنطق العسكري، وإن كان قد صمد فيها، لأن الصمود لا يعني الانتصار. وبالتالي، نحن لسنا أمام انتصار، بل أمام واقع مهزوم، والسؤال اليوم هو ماذا بعد؟ مشيرا إلى أن الاستمرار في الحرب ليس حلا، خصوصا وأن الحرب وصلت إلى بيروت، وما عرف بالأربعاء الأسود شهد سقوط نحو 300 ضحية في يوم واحد، وسأل: هل نحن مستعدون لمواصلة الحرب ودفع الثمن عبر تدمير العاصمة والضاحية والبقاع؟ الجنوب أصبح مدمرا، فمن المستعد لدفع المزيد من الأثمان؟
ولفت حجار إلى أن الشعب اللبناني ليس مستعدا لاستمرار الحرب، وحتى إذا كانت هناك مناطق تتعرض للدمار حاليا، فهناك مناطق أخرى لا تزال آمنة ويلجأ إليها النازحون بحثا عن مكان يستطيعون فيه مواصلة حياتهم، مؤكدا أن الاستمرار في الحرب هو رهان خاطئ، وأن لبنان لا يملك القدرة على خوض حرب طويلة، لا ماليا ولا بشريا ولا على أي مستوى آخر، خصوصا وأن الحرب لا تزال مستمرة والخسائر تتوالى يوميا في الجنوب.
وبعد تجربة الحرب، رأى أن الخيار الآخر المتاح أمام لبنان هو التفاوض، وهو المسار الذي سلكته الحكومة اللبنانية برئاسة رئيس الجمهورية جوزاف عون، انطلاقا من أن لبنان بات في مسار تفاوضي. وقال إن الخلاف حول التفاوض موجود، لكنه يتمحور حول شكله، مشددا على أن التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية هو خطوة لا بد منها، خصوصا وأن لبنان لا يملك خيارا ثالثا بديلا في الظروف الراهنة.
وأوضح حجار أن الخلاف يمكن أن يكون حول طبيعة التفاوض، وما إذا كان مباشرا أو غير مباشر، مشيرا إلى أن لبنان سبق أن خاض مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين في مراحل سابقة، لكن من دون أن ترافقها صور كما يحصل اليوم.
ولفت إلى أن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية شهدت تفاوضا مباشرا بين اللبنانيين والإسرائيليين، حيث جلس الطرفان في الغرفة نفسها وتفاوضا بشكل مباشر، كما أن لجنة الميكانيزم شهدت جلوس الضباط اللبنانيين والإسرائيليين على طاولة متقابلة.
ورأى حجار أن المسألة ليست سابقة، وإنما الجديد هذه المرة هو وجود الصورة، متسائلا عما إذا كان لبنان قادرا أصلا على رفض الظهور فيها، خصوصا وأن الأميركيين، بصفتهم الراعيين لعملية التفاوض، كانوا يتولون التصوير وتوزيع الصور.
وبغض النظر عن الصورة، اعتبر أن الخلاف حول شكل التفاوض، مباشرا كان أم غير مباشر، يجب أن يقرأ في ضوء الواقع الذي وصل إليه لبنان، مشيرا إلى أن الخسائر التي تكبدها البلد والهزيمة التي لحقت به جعلته في موقع لا يسمح له بفرض الكثير من الشروط.
وأوضح حجار أن الأميركيين هم من رسموا إطار التفاوض واتفاق الإطار، وأن لبنان لم تكن لديه عمليا خيارات كثيرة لرفضه، لأن رفض الاتفاق كان سيعني الدخول في مواجهة إضافية مع المجتمع الدولي، وتحديدا مع الولايات المتحدة، التي تبقى الطرف الوحيد القادر على ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف الحرب أو القبول باتفاق أو الانسحاب. وقال إن هذه الأمور لم تتحقق بشكل نهائي حتى الآن، سواء لجهة وقف الحرب بصورة كاملة أو الانسحاب، لكن الولايات المتحدة تبقى الطرف الوحيد القادر على ممارسة الضغط على إسرائيل.
وحذر من أن رفض الشروط الأميركية كان سيعني الدخول في مواجهة أوسع، موضحا أنه في حال توسعت الحرب بضوء أخضر أميركي، فلن يكون أمام لبنان وسيط يمكن اللجوء إليه حتى للمطالبة بتسهيل مرور أو إخراج أشخاص، خصوصا في ظل احتمال توقف لجنة الميكانيزم، فضلا عن أن الأميركيين وضعوا فيتو على اليونيفيل التي باتت مهمتها تقترب من نهايتها. وأكد أن لبنان لم يكن يملك خيارات كثيرة في ما يتعلق بشكل التفاوض، معتبرا أن المزايدات التي تطرح اليوم، من قبيل المطالبة بالانسحاب أو القول إن التفاوض بهذه الطريقة لم يكن يجب أن يحصل، ليست سوى مزايدات سياسية، لأن من تكون يده في النار ليس كمن يجلس في الصالون وينظر.
وقال حجار إن التفاوض كان الحل الوحيد المتاح، مع بقاء بعض التباين في وجهات النظر حول شكله، مشيرا إلى أن هذا التباين أمر طبيعي ولا خلاف عليه، حتى لو بقيت وجهات نظر متعددة حول طريقة إدارته.
لكن في المقابل، يبرز سؤال أكثر تعقيدا، بحسب الحجار، يتعلق بموقف حزب الله ومدى امتلاكه القرار في هذه المسألة. وأوضح أن حزب الله يعلن مواقف كثيرة في هذا الإطار، لكن السؤال الأساسي هو ما إذا كان الحزب يملك القرار فعلا. فإذا قبلت الدولة اللبنانية بالتفاوض غير المباشر، فهل سيكون حزب الله مستعدا لمساعدة الدولة وتقديم تنازلات؟ وهل هو مستعد للبدء بخطوات تتعلق بنزع السلاح أو الانسحاب من بعض المناطق، بما يسهل مهمة الجيش اللبناني؟
وأشار حجار إلى أن حزب الله، حتى الآن، لا يزال يعترف باتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في العام 2024، لكنه لم يعترف بأي مندرجات اتفاق الإطار القائم حاليا، لافتا إلى أن المشكلة تكمن في أنه إذا كان حزب الله لا يعترف بالاتفاق ولا يريد الالتزام بأي مندرجاته، فإنه بذلك يعطل مهمة الدولة اللبنانية أكثر، كما يمنح إسرائيل ذريعة إضافية للقول إن حزب الله لا يعترف بالشرعية اللبنانية وإنه خارج إطار الدولة، بما يعزز الانطباع بأن الدولة اللبنانية ضعيفة وغير قادرة على فرض سلطتها.
وقال إن استمرار هذا الواقع يعني عمليا أن ما يُتفاوض عليه قد لا يجد طريقه إلى التطبيق إلا إذا فُرض بالقوة، وهذا يشكل ذريعة إضافية لإسرائيل للاستمرار في الحرب والاعتداءات على لبنان.
وشدد حجار، في المقابل، على أن ذلك لا يعني إطلاقا أن لإسرائيل نوايا حسنة تجاه لبنان، لكن أمام المجتمع الدولي، تجد إسرائيل في هذه المواقف ذرائع عدة لتبرير استمرار الحرب والاعتداءات.
أما السؤال حول إلى أين يريد حزب الله أن يأخذ البلد، فرأى أنه سؤال شائك، لأننا لا نعرف ما إذا كان الحزب نفسه يملك جوابا واضحا حول هذا الموضوع. وقال إن القرار لدى حزب الله ليس لبنانيا بالكامل، فالحزب لديه بالتأكيد هامش لبناني في بعض الملفات، لكن في القرارات الكبرى، لا سيما تلك المرتبطة بالسلاح والصراع مع إسرائيل، فإن القرار يتجاوز قيادة حزب الله المحلية ويرتبط بالقيادة الإيرانية العليا.
وأوضح حجار أن حزب الله يشكل إحدى أبرز الأوراق التي بنتها إيران خارج حدودها، خصوصا على الحدود مع إسرائيل، ولذلك فإن إيران ليست مستعدة للتخلي عن هذه الورقة مجانا، بل إن أي اتفاق حولها سيكون جزءا من تسوية أكبر يمكن أن تحصل بين الولايات المتحدة وإيران ودول المنطقة، وعندها يمكن أن يتقدم حزب الله في هذا المسار.
ورأى أن السؤال يبقى مطروحا حول ما إذا كان حزب الله نفسه يعرف إلى أين يريد أن يأخذ البلد. وقال إنه لا يوجد جواب واضح حتى الآن، لأن القرار في الملفات الأساسية يبقى مرتبطا بإيران، التي لا تبدو مستعدة للتخلي عن هذه الورقة. أضاف أن اتفاق الإطار الذي توصلوا إليه هدف، من حيث المبدأ، إلى فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، لكن هذا الفصل لا يزال جزئيا وليس كاملا، ولذلك يبقى لبنان مرتبطا بالتطورات التي تحصل في المنطقة، وأي توتر كبير فيها ينعكس توترا على الجنوب اللبناني.
ولفت حجار، في المقابل، إلى أن إسرائيل أيضا لا تساعد في إنجاح اتفاق الإطار، إذ تقول إن الانسحاب الإسرائيلي مرتبط ببدء حزب الله بالانسحاب، وببدء الجيش اللبناني بمصادرة أسلحة الحزب وسحبها.
في المقابل، يقول حزب الله إنه مستعد للانخراط في اتفاق داخلي حول الاستراتيجية الدفاعية، وإن انسحابه مرتبط بانسحاب إسرائيل بالكامل وإعادة الأسرى، إلى جانب مجموعة من المطالب الأخرى.
ولخص حجار المشهد، وقال إن لبنان يقف عمليا أمام حلقة مفرغة في الوقت الحاضر، وفي فترة انتظار، إلى حين اتضاح مسار المفاوضات والتفاهمات والاتفاقات التي يُعمل عليها في المنطقة ككل.
إذا كان حزب الله يرفض التفاوض ولا يقدم بديلا، فالسؤال لم يعد سياسيا بل مصيريا: إلى أين يأخذ الحزب لبنان؟ وإلى متى يبقى أهل الجنوب واللبنانيون يدفعون ثمن قراراته؟